فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

عيسى بن مريم ، قال فإني أترك ملكي وأتبعك فتبعه ذلك الملك مع أقاربه ، فأولئك هم الحواريون قال القفال : ويجوز أن يكون بعض هؤلاء الحواريين الاثني عشر من الملوك ، وبعضهم من صيادي السمك ، وبعضهم من القصارين ، والكل سموا بالحواريين لأنهم كانوا أنصار عيسى عليه السلام ، وأعوانه ، والمخلصين في محبته ، وطاعته ، وخدمته . المسألة الثالثة : المراد من قوله * ( نحن أنصار الله ) * أي نحن أنصار دين الله وأنصار أنبيائه ، لأن نصرة الله تعالى في الحقيقة محال ، فالمراد منه ما ذكرناه . أما قوله * ( آمنا بالله ) * فهذا يجري مجرى ذكر العلة ، والمعنى يجب علينا أن نكون من أنصار الله ، لأجل أنا آمنا بالله ، فإن الإيمان بالله يوجب نصرة دين الله ، والذب عن أوليائه ، والمحاربة مع أعدائه . ثم قالوا : * ( واشهد بأنا مسلمون ) * وذلك لأن إشهادهم عيسى عليه السلام على أنفسهم ، إشهاد لله تعالى أيضاً ، ثم فيه قولان الأول : المراد واشهد أنا منقادون لما تريده منا في نصرتك ، والذب عنك ، مستسلمون لأمر الله تعالى فيه الثاني : أن ذلك إقرار منهم بأن دينهم الإسلام ، وأنه دين كل الأنبياء صلوات الله عليهم . واعلم أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إيمانهم ، وعلى إسلامهم تضرعوا إلى الله تعالى ، وقالوا : * ( ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين ) * وذلك لأن القوم آمنوا بالله حين قالوا : في الآية المتقدمة * ( آمنا بالله ) * ثم آمنوا بكتب الله تعالى حيث قالوا * ( آمنا بما أنزلت ) * وآمنوا برسول الله حيث ، قالوا * ( واتبعنا الرسول ) * فعند ذلك طلبوا الزلفة والثواب ، فقالوا * ( فاكتبنا مع الشاهدين ) * وهذا يقتضي أن يكون للشاهدين فضل يزيد على فضل الحواريين ، ويفضل على درجته ، لأنهم هم المخصوصون بأداء الشهادة قال الله تعالى : * ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) * ( البقرة : 143 ) الثاني : وهو منقول أيضاً عن ابن عباس * ( اكتبنا مع الشاهدين ) * أي اكتبنا في زمرة الأنبياء لأن كل نبي شاهد لقومه قال الله تعالى : * ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) * ( الأعراف : 6 ) . وقد أجاب الله تعالى دعاءهم وجعلهم أنبياء ورسلاً ، فأحيوا الموتى ، وصنعوا كل ما صنع عيسى عليه السلام . والقول الثالث : * ( اكتبنا مع الشاهدين ) * أي اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق ، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى عليه السلام على إسلام أنفسهم ، حيث قالوا