فخر الدين الرازي
51
تفسير الرازي
فالأمر فيه ظاهر ويدل عليه وجهان الأول : أن تركيب الأجسام وتأليفها على وجه يحصل فيها الحياة والفهم ، والنطق أمر ممكن ، وثبت أنه تعالى قادر على الممكنات بأسرها ، وكان سبحانه وتعالى قادراً على إيجاد الشخص ، لا من نطفة الأب ، وإذا ثبت الإمكان ، ثم إن المعجز قام على صدق النبي ، فوجب أن يكون صادقاً ، ثم أخبر عن وقوع ذلك الممكن ، والصادق إذا أخبر عن وقوع الممكن وجب القطع بكونه كذلك ، فثبت صحة ما ذكرناه الثاني : ما ذكره الله تعالى في قوله * ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ) * ( آل عمران : 59 ) فلما لم يبعد تخليق آدم من غير أب فلأن لا يبعد تخليق عيسى من غير آب كان أولى وهذه حجة ظاهرة ، وأما على أصول الفلاسفة فالأمر في تجويزه ظاهر ويدل عليه وجوه الأول : أن الفلاسفة اتفقوا على أنه لا يمتنع حدوث الإنسان على سبيل التوالد من غير تولد قالوا : لأن بدن الإنسان إنما استعد لقبول النفس الناطقة التي تدبر بواسطة حصول المزاج المخصوص في ذلك البدن ، وذلك المزاج إنما جعل لامتزاج العناصر الأربعة على قدر معين في مدة معينة ، فحصول أجزاء العناصر على ذلك القدر الذي يناسب بدن الإنسان غير ممتنع وامتزاجها غير ممتنع ، فامتزاجها يكون عند حدوث الكيفية المزاجية واجباً ، وعند حدوث الكيفية المزاجية يكون تعلق النفس بذلك البدن واجباً ، فثبت أن حدوث الإنسان على سبيل التولد معقول ممكن ، وإذا كان الأمر كذلك فحدوث الإنسان لا عن الأب أولى بالجواز والإمكان . الوجه الثاني : وهو أنا نشاهد حدوث كثير من الحيوانات على سبيل التولد ، كتولد الفأر عن المدر ، والحيات عن الشعر ، والعقارب عن الباذروج ، وإذا كان كذلك فتولد الولد لا عن الأب أولى أن لا يكون ممتنعاً . الوجه الثالث : وهو أن التخيلات الذهنية كثيراً ما تكون أسباباً لحدوث الحوادث الكثيرة ليس أن تصور المنافي يوجب حصول كيفية الغضب ، ويوجب حصول السخونة الشديدة في البدن أليس اللوح الطويل إذا كان موضوعاً على الأرض قدر الإنسان على المشي عليه ولو جعل كالقنطرة على وهدة لم يقدر على المشي عليه ، بل كلما مشى عليه يسقط وما ذاك إلا أن تصور السقوط يوجب حصول السقوط ، وقد ذكروا في " كتب الفلسفة " أمثلة كثيرة لهذا الباب ، وجعلوها كالأصل في بيان جواز المعجزات والكرامات ، فما المانع من أن يقال إنه لما تخيلت صورته عليه السلام كفى ذلك في علوق الولد في رحمها . وإذا كان كل هذه الوجوه ممكناً محتملاً كان القول بحدوث عيسى عليه السلام من غير واسطة الأب قولاً غير ممتنع ، ولو أنك طالبت جميع الأولين والآخرين من أرباب الطبائع والطب والفلسفة على إقامة حجة إقناعية في امتناع حدوث الولد