فخر الدين الرازي

47

تفسير الرازي

ثم قال : * ( واركعي مع الراكعين ) * وهو إشارة إلى الأمر بالصلاة ، فكأنه تعالى يأمرها بالمواظبة على السجود في أكثر الأوقات ، وأما الصلاة فإنها تأتي بها في أوقاتها المعينة لها والثالث : قال ابن الأنباري : قوله تعالى : * ( اقنتي ) * أمر بالعبادة على العموم ، ثم قال بعد ذلك * ( اسجدي واركعي ) * يعني استعملي السجود في وقته اللائق به ، واستعملي الركوع في وقته اللائق به ، وليس المراد أن يجمع بينهما ، ثم يقدم السجود على الركوع والله أعلم الرابع : أن الصلاة تسمى سجوداً كما قيل في قوله * ( وأدبار السجود ) * ( ق : 40 ) وفي الحديث " إذا دخل أحدكم المسجد فليسجد سجدتين " وأيضاً المسجد سمي باسم مشتق من السجود والمراد منه موضع الصلاة ، وأيضاً أشرف أجزاء الصلاة السجود وتسمية الشيء باسم أشرف أجزائه نوع مشهور في المجاز . إذا ثبت هذا فنقول قوله * ( يا مريم اقنتي ) * معناه : يا مريم قومي ، وقوله * ( واسجدي ) * أي صلي فكان المراد من هذا السجود الصلاة ، ثم قال : * ( واركعي مع الراكعين ) * إما أن يكون أمراً لها بالصلاة بالجماعة فيكون قوله * ( واسجدي ) * أمراً بالصلاة حال الانفراد ، وقوله * ( واركعي مع الراكعين ) * أمراً بالصلاة في الجماعة ، أو يكون المراد من الركوع التواضع ويكون قوله * ( واسجدي ) * أمراً ظاهراً بالصلاة ، وقوله * ( واركعي مع الراكعين ) * أمراً بالخضوع والخشوع بالقلب . الوجه الخامس في الجواب : لعلّه كان السجود في ذلك الدين متقدماً على الركوع . السؤال الثاني : اما المراد من قوله * ( واركعي مع الراكعين ) * . والجواب : قيل معناه : افعلي كفعلهم ، وقيل المراد به الصلاة في الجماعة كانت مأمورة بأن تصلي في بيت المقدس مع المجاورين فيه ، وإن كانت لا تختلط بهم . السؤال الثالث : لم لم يقل واركعي مع الراكعات ؟ والجواب لأن الاقتداء بالرجال حال الاختفاء من الرجال أفضل من الاقتداء بالنساء . واعلم أن المفسرين قالوا : لما ذكرت الملائكة هذه الكلمات مع مريم عليها السلام شفاها ، قامت مريم في الصلاة حتى ورمت قدماها وسال الدم والقيح من قدميها . قوله تعالى * ( ذلِكَ مِنْ أَنبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ) * .