فخر الدين الرازي
37
تفسير الرازي
وحملنا هذ اللفظ على التأويل ، فإنه يقال : فلان يأكل الأطعمة الطيبة ، ويلبس الثياب النفيسة ، أي يأكل من هذا الجنس ، ويلبس من هذا الجنس ، مع أن المعلوم أنه لم يأكل جميع الأطعمة ، ولم يلبس جميع الأثواب ، فكذا ههنا ، ومثله في القرآن * ( الذين قال لهم الناس ) * ( آل عمران : 173 ) وهم نعيم بن مسعود إن الناس : يعني أبا سفيان ، قال المفضل بن سلمة : إذا كان القائل رئيساً جاز الإخبار عنه بالجمع لاجتماع أصحابه معه ، فلما كان جبريل رئيس الملائكة ، وقلما يبعث إلا ومعه جمع صح ذلك . أما قوله * ( وهو قائم يصلي في المحراب ) * فهو يدل على أن الصلاة كانت مشروعة في دينهم ، والمحراب قد ذكرنا معناه . أما قوله * ( أن الله يبشرك بيحيى ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : أما البشارة فقد فسرناها في قوله تعالى : * ( وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) * ( البقرة : 25 ) وفي قوله * ( يبشرك بيحيى ) * وجهان الأول : أنه تعالى كان قد عرف زكريا أنه سيكون في الأنبياء رجل اسمه يحيى وله ذرية عالية ، فإذا قيل : إن ذلك النبي المسمى بيحيى هو ولدك كان ذلك بشارة له بيحيى عليه السلام والثاني : أن الله يبشرك بولد اسمه يحيى . المسألة الثانية : قرأ ابن عامر وحمزة * ( إن ) * بكسر الهمزة ، والباقون بفتحها ، أما الكسر فعلى إرادة القول ، أو لأن النداء نوع من القول ، وأما الفتح فتقديره : فنادته الملائكة بأن الله يبشرك . المسألة الثالثة : قرأ حمزة والكسائي * ( يبشرك ) * بفتح الياء وسكون الباء وضم الشين ، وقرأ الباقون * ( يبشرك ) * وقرئ أيضاً * ( يبشرك ) * قال أبو زيد يقال : بشر يبشر بشراً ، وبشر يبشر تبشيراً ، وأبشر يبشر ثلاث لغات . المسألة الرابعة : قرأ حمزة والكسائي * ( يحيى ) * بالإمالة لأجل الياء والباقون بالتفخيم ، وأما أنه لم سمى يحيى فقد ذكرناه في سورة مريم ، واعلم أنه تعالى ذكر من صفات يحيى ثلاثة أنواع : الصفة الأولى : قوله * ( مصدقاً بكلمة من الله ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قال الواحدي قوله * ( مصدقاً بكلمة من الله ) * نصب على الحال لأنه نكرة ، ويحيى معرفة . المسألة الثانية : في المراد * ( بكلمة من الله ) * قولان الأول : وهو قول أبي عبيدة : أنها كتاب من الله ، واستشهد بقولهم : أنشد فلان كلمة ، والمراد به القصيدة الطويلة . والقول الثاني : وهو اختيار الجمهور : أن المراد من قوله * ( بكلمة من الله ) * هو عيسى عليه السلام ، قال السدي : لقيت أم عيسى أم يحيى عليهما السلام ، وهذه حامل بيحيى وتلك بعيسى ،