فخر الدين الرازي

31

تفسير الرازي

ثم قال الله تعالى : * ( وكفلها زكريا ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : كفل يكفل كفالة وكفلاً فهو كافل ، وهو الذي ينفق على إنسان ويهتم بإصلاح مصالحه ، وفي الحديث " أنا وكافل اليتيم كهاتين " وقال الله تعالى : * ( أكفلنيها ) * . المسألة الثانية : قرأ عاصم وحمزة والكسائي * ( وكفلها ) * بالتشديد ، ثم اختلفوا في زكريا فقرأ عاصم بالمد ، وقرأ حمزة والكسائي بالقصر على معنى ضمها الله تعالى إلى زكريا ، فمن قرأ ( زكرياء ) بالمد أظهر النصب ومن قرأ بالقصر كان في محل النصب والباقون قرأوا بالمد والرفع على معنى ضمها زكرياء إلى نفسه ، وهو الاختيار ، لأن هذا مناسب لقوله تعالى : * ( أيهم يكفل مريم ) * وعليه الأكثر ، وعن ابن كثير في رواية * ( كفلها ) * بكسر الفاء ، وأما القصر والمد في زكريا فهما لغتان ، كالهيجاء والهيجا ، وقرأ مجاهد * ( فتقبلها ربها ، وأنبتها ، وكفلها ) * على لفظ الأمر في الأفعال الثلاثة ، ونصب * ( ربها ) * كأنها كانت تدعو الله فقالت : اقبلها يا ربها ، وأنبتها يا ربها ، واجعل زكريا كافلاً لها . المسألة الثالثة : اختلفوا في كفالة زكريا عليه السلام إياها متى كانت ، فقال الأكثرون : كان ذلك حال طفوليتها ، وبه جاءت الروايات ، وقال بعضهم : بل إنما كفلها بعد أن فطمت ، واحتجوا عليه بوجهين الأول : أنه تعالى قال : * ( وأنبتها نباتاً حسناً ) * ثم قال : * ( وكفلها زكريا ) * وهذا يوهم أن تلك الكفالة بعد ذلك النبات الحسن والثاني : أنه تعالى قال : * ( وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله ) * وهذا يدل على أنها كانت قد فارقت الرضاع وقت تلك الكفالة ، وأصحاب القول الأول أجابوا بأن الواو لا توجب الترتيب ، فلعل الانبات الحسن وكفالة زكرياء حصلا معاً . وأما الحجة الثانية : فلعل دخوله عليها وسؤاله منها هذا السؤال إنما وقع في آخر زمان الكفالة . ثم قال الله : * ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقاً ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( المحراب ) * الموضع العالي الشريف ، قال عمر بن أبي ربيعة : ربة محراب إذا جئتها * لم أدن حتى أرتقي سلما واحتج الأصمعي على أن المحراب هو الغرفة بقوله تعالى : * ( إذ تسوروا المحراب ) * والتسور لا يكون إلا من علو ، وقيل : المحراب أشرف المجالس وأرفعها ، يروى أنها لما صارت شابة بنى زكريا عليه السلام لها غرفة في المسجد ، وجعل بابها في وسطه لا يصعد إليه إلا بسلم ، وكان إذا خرج أغلق عليها سبعة أبواب .