فخر الدين الرازي
234
تفسير الرازي
المسألة الخامسة : قوله تعالى : * ( أو يتوب عليهم ) * مفسر عند أصحابنا بخلق التوبة فيهم وذلك عبارة عن خلق الندم فيهم على ما مضى ، وخلق العزم فيهم على أن لا يفعلوا مثل ذلك في المستقبل قال أصحابنا : وهذا المعنى متأكد ببرهان العقل وذلك لأن الندم عبارة عن حصول إرادة في المضي متعلقة بترك فعل من الأفعال في المستقبل ، وحصول الإرادات والكراهات في القلب لا يكون بفعل العبد ، لأن فعل العبد مسبوق بالإرادة ، فلو كانت الإرادات فعلاً للعبد لافتقر العبد في فعل تلك الإرادة إلى إرادة أخرى ويلزم التسلسل وهو محال ، فعلمنا أن حصول الإرادة والكراهات في القلب ليس إلا بتخليق الله تعالى وتكوينه ابتداء ، ولما كانت التوبة عبارة عن الندم والعزم ، وكل ذلك من جنس الإرادات والكراهات ، علمنا أن التوبة لا تحصل للعبد إلا بخلق الله تعالى ، فصار هذا البرهان مطابقاً لما دل عليه ظاهر القرآن ، هو قوله * ( أو يتوب عليهم ) * وأما المعتزلة فإنهم فسروا قوله * ( أو يتوب عليهم ) * إما بفعل الألطاف أو بقبول التوبة . أما قوله تعالى : * ( فإنهم ظالمون ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : إن كان الغرض من الآية منعه من الدعاء على الكفر صح الكلام وهو أنه تعالى سماهم ظالمين ، لأن الشرك ظلم قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) وإن كان الغرض منها منعه من الدعاء على المسلمين الذين خالفوا أمره صح الكلام أيضاً ، لأن من عصى الله فقد ظلم نفسه . المسألة الثانية : يحتمل أن يكون المراد من العذاب المذكور في هذه الآية عذاب الدنيا ، وهو القتل والأسر وأن يكون عذاب الآخرة ، وعلى التقديرين فعلم ذلك مفوض إلى الله . المسألة الثالثة : قوله تعالى : * ( فإنهم ظالمون ) * جملة مستقلة ، إلا أن المقصود من ذكرها تعليل حسن التعذيب ، والمعنى : أو يعذبهم فإنه إن عذبهم إنما يعذبهم لأنهم ظالمون . قوله تعالى * ( وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . فيه مسألتان : المسألة الأولى : إن المقصود من هذا تأكيد ما ذكره أولاً من قوله * ( ليس لك من الأمر شيء ) * والمعنى أن الأمر إنما يكون لمن له الملك ، وملك السماوات والأرض ليس إلا لله تعالى