فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
لأتباعه إلى قيام القيامة ، ومن تأمل في هذا الباب وصل إلى أسرار عجيبة . المسألة الثالثة : من الناس من قال . المراد بآل إبراهيم المؤمنون ، كما في قوله * ( أدخلوا آل فرعون ) * ( غافر : 46 ) والصحيح أن المراد بهم الأولاد ، وهم المراد بقوله تعالى : * ( إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) * ( البقرة : 124 ) وأما آل عمران فقد اختلفوا فيه ، فمنهم من قال المراد عمران ولد موسى وهارون ، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، فيكون المراد من آل عمران موسى وهارون وأتباعهما من الأنبياء ، ومنهم من قال : بل المراد : عمران بن ماثان والد مريم ، وكان هو من نسل سليمان بن داود بن إيشا ، وكانوا من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، قالوا . وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة ، واحتج من قال بهذا القول على صحته بأمور أحدها : أن المذكور عقيب قوله * ( وآل عمران على العالمين ) * هو عمران بن ماثان جد عيسى عليه السلام من قبل الأم ، فكان صرف الكلام إليه أولى وثانيها : أن المقصود من الكلام أن النصارى كانوا يحتجون على إلهية عيس بالخوارق التي ظهرت على يديه ، فالله تعالى يقول : إنما ظهرت على يده إكراماً من الله تعالى إياه بها ، وذلك لأنه تعالى اصطفاه على العالمين وخصه بالكرامات العظيمة ، فكان حمل هذا الكلام على عمران بن ماثان أولى في هذا المقام من حمله على عمران والد موسى وهارون وثالثها : أن هذا اللفظ شديد المطابقة لقوله تعالى : * ( وجعلناها وابنها آية للعالمين ) * ( الأنبياء : 91 ) واعلم أن هذه الوجوه ليست دلائل قوية ، بل هي أمور ظنية ، وأصل الاحتمال قائم . أما قوله تعالى : * ( ذرية بعضها من بعض ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : في نصب قوله * ( ذرية ) * وجهان الأول : أنه بدل من آل إبراهيم والثاني : أن يكون نصباً على الحال ، أي اصطفاهم في حال كون بعضهم من بعض . المسألة الثانية : في تأويل الآية وجوه الأول : ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة ، ونظيره قوله تعالى : * ( المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض ) * ( التوبة : 67 ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق والثاني : ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم عليه السلام كانوا متولدين من آدم عليه السلام ، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم . أما قوله تعالى : * ( والله سميع عليم ) * فقال القفال : المعنى والله سميع لأقوال العباد ، عليم بضمائرهم وأفعالهم ، وإنما يصطفى من خلقه من يعلم استقامته قولاً وفعلاً ، ونظيره قوله تعالى : * ( الله أعلم حيث