فخر الدين الرازي
230
تفسير الرازي
الكناية في قوله * ( وما جعله الله ) * عائدة على المصدر ، كأنه قال : وما جعل الله المدد والإمداد إلا بشرى لكم بأنكم تنصرون فدل * ( يمددكم ) * على الإمداد فكنى عنه ، كما قال : * ( ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق ) * ( الأنعام : 121 ) معناه : وإن أكله لفسق فدل * ( تأكلوا ) * على الأكل فكنى عنه وقال الزجاج * ( وما جعله الله ) * أي ذكر المدد * ( إلا بشرى ) * والبشرى اسم من الإبشار ومضى الكلام في معنى التبشير في سورة البقرة في قوله * ( وبشر الذين آمنوا ) * ( البقرة : 25 ) . ثم قال : * ( ولتطمئن قلوبكم به ) * وفيه سؤال : وهو أن قوله * ( ولتطمئن ) * فعل وقوله * ( إلا بشرى ) * اسم وعطف الفعل على الاسم مستنكر ، فكان الواجب أن يقال إلا بشرى لكم واطمئناناً ، أو يقال إلا ليبشركم ولتطمئن قلوبكم به فلم ترك ذلك وعدل عنه إلى عطف الفعل على الاسم . والجواب عنه من وجهين الأول : في ذكر الإمداد مطلوبان ، وأحدهما أقوى في المطلوبية من الآخر ، فأحدهما إدخال السرور في قلوبهم ، وهو المراد بقوله * ( إلا بشرى ) * والثاني : حصول الطمأنينة على أن إعانة الله ونصرته معهم فلا يجبنوا عن المحاربة ، وهذا هو المقصود الأصلي ففرق بين هاتين العبارتين تنبيهاً على حصول التفاوت بين هذين الأمرين في المطلوبية فكونه بشرى مطلوب ولكن المطلوب الأقوى حصول الطمأنينة ، فلهذا أدخل حرف التعليل على فعل الطمأنينة ، فقال : * ( ولتطمئن ) * ونظيره قوله * ( والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ) * ( النحل : 8 ) ولما كان المقصود الأصلي هو الركوب أدخل حرف التعليل عليها ، فكذا ههنا الثاني ؛ قال بعضهم في الجواب : الواو زائدة والتقدير وما جعله الله إلا بشرى لكم لتطمئن به قلوبكم . ثم قال : * ( وما النصر إلا من عند الله ) * والغرض منه أن يكون توكلهم على الله لا على الملائكة وهذا تنبيه على أن إيمان العبد لا يكمل إلا عند الإعراض عن الأسباب والإقبال بالكلية على مسبب الأسباب أو قوله * ( العزيز الحكيم ) * فالعزيز إشارة إلى كمال قدرته ، والحكيم إشارة إلى كمال علمه ، فلا يخفى عليه حاجات العباد ولا يعجز عن إجابة الدعوات ، وكل من كان كذلك لم يتوقع النصر إلا من رحمته ولا الإعانة إلا من فضله وكرمه . ثم قال : * ( ليقطع طرفاً من الذين كفروا ) * واللام في * ( ليقطع طرفاً ) * متعلق بقوله * ( وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ) * والمعنى أن المقصود من نصركم بواسطة إمداد الملائكة هو أن يقطعوا طرفاً من الذين كفروا ، أي يهلكوا طائفة منهم ويقتلوا قطعة منهم ، قيل : إنه راجع إلى قوله * ( ولتطمئن قلوبكم به ، ليقطع طرفاً ) * ولكنه ذكر بغير حرف العطف لأنه إذا كان البعض قريباً من البعض جاز