فخر الدين الرازي
226
تفسير الرازي
فالجواب : إنه تقريب حسن ، ولكنه لا يوجب أن لا يكون الأمر كذلك ، بل الله تعالى قد يزيد وقد ينقص في العدد بحسب ما يريد . وأما الحجة الثالثة : وهي التمسك بقوله * ( ويأتوكم من فورهم ) * ( آل عمران : 125 ) . فالجواب عنه : أن المشركين لما سمعوا أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه قد تعرضوا للعير ثار الغضب في قلوبهم واجتمعوا وقصدوا النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم إن الصحابة لما سمعوا ذلك خافوا فأخبرهم الله تعالى : أنهم إن يأتوكم من فورهم يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة فهذا حاصل ما قيل في تقرير هذين القولين ، والله أعلم بمراده . المسألة الثانية : اختلفوا في عدد الملائكة ، وضبط الأقوال فيها أن من الناس من ضم العدد الناقص إلى العدد الزائد ، فقالوا : لأن الوعد بإمداد الثلاثة لا شرط فيه ، والوعد بإمداد الخمسة مشروط بالصبر والتقوى ومجئ الكفار من فورهم ، فلا بد من التغاير وهو ضعيف ، لأنه لا يلزم من كون الخمسة مشروطة بشرط أن تكون الثلاثة التي جزؤها مشروطة بذلك الشرط ومنهم من أدخل العدد الناقص في العدد الزائد ، أما على تقدير الأول : فإن حملنا الآية على قصة بدر كان عدد الملائكة تسعة آلاف لأنه تعالى ذكر الألف ، وذكر ثلاثة آلاف ، وذكر خمسة آلاف ، والمجموع تسعة آلاف ، وإن حملناها على قصة أحد ، فليس فيها ذكر الألف ، بل فيها ذكر ثلاثة آلاف ، وخمسة آلاف ، والمجموع : ثمانية آلاف ، وأما على التقدير الثاني : وهو إدخال الناقص في الزائد فقالوا : عدد الملائكة خمسة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران ، فلا جرم وعدوا بالألف ثم ضم إليه ألفان فلا جرم وعدوا بثلاثة آلاف ، ثم ضم إليها ألفان آخران فلام جر وعدوا بخمسة آلاف ، وقد حكينا عن بعضهم أنه قال أمد أهل بدر بألف فقيل : إن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك على المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : ألن يكفيكم يعني بتقدير أن يجيء المشركين مدد فالله تعالى يمدكم أيضاً بثلاثة آلاف وخمسة آلاف ، ثم إن المشركين ما جاءهم المدد ، فكذا ههنا الزائد على الألف ما جاء المسلمين فهذه وجوه كلها محتملة والله أعلم بمراده . المسألة الثالثة : أجمع أهل التفسير والسير أن الله تعالى أنزل الملائكة يوم بدر وأنهم قاتلوا الكفار ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : لم تقاتل الملائكة سوى يوم بدر وفيما سواه كانوا عدداً ومدداً لا يقاتلون ولا يضربون ، وهذا قول الأكثرين ، وأما أبو بكر الأصم ، فإنه أنكر ذلك أشد الإنكار ، واحتج عليه بوجوه : الحجة الأولى : إن الملك الواحد يكفي في إهلاك الأرض ، ومن المشهور أن جبريل عليه