فخر الدين الرازي

212

تفسير الرازي

هذا صفة أيضاً لوجب إدخال حرف العطف بينهما . المسألة الخامسة : الفرق بين قوله * ( لا يألونكم خبالا ) * وبين قوله * ( ودوا ما عنتم ) * في المعنى من وجوه الأول : لا يقصرون في إفساد دينكم ، فإن عجزوا عنه ودوا إلقاءكم في أشد أنواع الضرر الثاني : لا يقصرون في إفساد أموركم في الدنيا ، فإذا عجزوا عنه لم يزل عن قلوبهم حب إعناتكم والثالث : لا يقصرون في إفساد أموركم ، فإن لم يفعلوا ذلك لمانع من خارج ، فحب ذلك غير زائل عن قلوبهم وثالثها : قوله تعالى : * ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : البغضاء أشد البغض ، فالبغض مع البغضاء كالضر مع الضراء . المسألة الثانية : الأفواه جمع الفم والفم أصله فوه بدليل أن جمعه أفواه ، يقال : فوه وأفواه كسوط وأسواط ، وطوق وأطواق ، ويقال رجل مفوه إذا أجاد القول ، وأفوه إذا كان واسع الفهم ، فثبت أن أصل الفم فوه بوزن سوط ، ثم حذفت الهاء تخفيفاً ثم أقيم الميم مقام الواو لأنهما حرفان شفويان . المسألة الثالثة : قوله * ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) * إن حملناه على المنافقين ففي تفسيره وجهان الأول : أنه لا بد في المنافق من أن يجري في كلامه ما يدل على نفاقه ومفارقة لطريق المخالصة في الود والنصيحة ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولتعرفنهم في لحن القول ) * ( محمد : 30 ) الثاني : قال قتادة : قد بدت البغضاء لأوليائهم من المنافقين والكفار لاطلاع بعضهم بعضاً على ذلك ، أما إن حملناه على اليهود فتفسير قوله * ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) * فهو أنهم يظهرون تكذيب نبيّكم وكتابكم وينسبونكم إلى الجهل والحمق ، ومن اعتقد في غيره الإصرار على الجهل والحمق امتنع أن يحبه ، بل لا بد وأن يبغضه ، فهذا هو المراد بقوله * ( قد بدت البغضاء من أفواههم ) * . ثم قال تعالى : * ( وما تخفي صدورهم أكبر ) * يعني الذي يظهر على لسان المنافق من علامات البغضاء أقل مما في قلبه من النفرة ، والذي يظهر من علامات الحقد على لسانه أقل مما في قلبه من الحقد ، ثم بيّن تعالى أن إظهار هذه الأسرار للمؤمنين من نعمه عليهم ، فقال : * ( قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) * أي من أهل العقل والفهم والدراية ، وقيل : * ( إن كنتم تعقلون ) * الفصل بين ما يستحقه العدو والولي ، والمقصود بعثهم على استعمال العقل في تأمل هذه الآية وتدبر هذه البينات ، والله أعلم .