فخر الدين الرازي
22
تفسير الرازي
المسألة الثانية : * ( اصطفى ) * في اللغة اختار ، فمعنى : اصطفاهم ، أي جعلهم صفوة خلقه ، تمثيلاً بما يشاهد من الشيء الذي يصفى وينقى من الكدورة ، ويقال على ثلاثة أوجه : صفوة ، وصفوة وصفوة ، ونظير هذه الآية قوله لموسى * ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ) * ( الأعراف : 144 ) وقال في إبراهيم * ( وإسحق ويعقوب وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار ) * ( ص : 47 ) . إذا عرفت هذا فنقول . في الآية قولان الأول : المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم ، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف والثاني : أن يكون المعنى : إن الله اصطفاهم ، أي صفاهم من الصفات الذميمة ، وزينهم بالخصال الحميدة ، وهذا القول أولى لوجهين أحدهما : أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار والثاني : أنه موافق لقوله تعالى : * ( الله أعلم حيث يجعل رسالاته ) * ( الأنعام : 124 ) وذكر الحليمي في كتاب " المنهاج " أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا بد وأن يكونوا مخالفين لغيرهم في القوى الجسمانية ، والقوى الروحانية ، أما القوى الجسمانية ، فهي إما مدركة ، وإما محركة . أما المدركة : فهي إما الحواس الظاهرة ، وإما الحواس الباطنة ، أما الحواس الظاهرة فهي خمسة أحدها : القوة الباصرة ، ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم مخصوصاً بكمال هذه الصفة ويدل عليه وجهان الأول : قوله صلى الله عليه وسلم : " زويت لي الأرض فأريت مشارقها مغاربها " والثاني : قوله صلى الله عليه وسلم : " أقيموا صفوفكم وتراصوا فإني أراكم من وراء ظهري " ونظير هذه القوة ما حصل لإبراهيم صلى الله عليه وسلم وهو قوله تعالى : * ( وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ) * ( الأنعام : 75 ) ذكروا في تفسيره أنه تعالى قوَّى بصره حتى شاهد جميع الملكوت من الأعلى والأسفل قال الحليمي رحمه الله : وهذا غير مستبعد لأن البصراء يتفاوتون فروي أن زرقاء اليمامة كانت تبصر الشيء من مسيرة ثلاثة أيام ، فلا يبعد أن يكون بصر النبي صلى الله عليه وسلم أقوى من بصرها وثانيها : القوة السامعة ، وكان صلى الله عليه وسلم أقوى الناس في هذه القوة ، ويدل عليه وجهان أحدهما : قوله صلى الله عليه وسلم : " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد لله تعالى " فسمع أطيط السماء والثاني : أنه سمع دوياً وذكر أنه هوي صخرة قذفت في جهنم فلم تبلغ قعرها إلى الآن ، قال الحليمي : ولا سبيل للفلاسفة إلى استبعاد هذا ، فإنهم زعموا أن فيثاغورث راض نفسه حتى سمع خفيف الفلك ، ونظير هذه القوة لسليمان عليه السلام في قصة النمل * ( قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) * ( النمل : 18 ) فالله تعالى أسمع سليمان كلام النمل وأوقفه على معناه وهذا داخل أيضاً في باب تقوية الفهم ، وكان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم حين تكلم مع