فخر الدين الرازي

194

تفسير الرازي

وإما بإظهار كلمة الكفر ، كقولهم * ( عزير ابن الله ) * ( التوبة : 30 ) و * ( المسيح ابن الله ) * ( التوبة : 30 ) و * ( الله ثالث ثلاثة ) * ( المائدة : 73 ) وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل ، وإما بإلقاء الشبه في الأسماع ، وإما بتخويف الضعفة من المسلمين ، ومن الناس من قال : إن قوله * ( إلا أذى ) * استثناء منقطع وهو بعيد ، لأن كل الوجوه المذكورة يوجب وقوع الغم في قلوب المسلمين والغم ضرر ، فالتقدير لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى ، فهو استثناء صحيح ، والمعنى لن يضروكم إلا ضرراً يسيراً ، والأذى وقع موقع الضرر ، والأذى مصدر أذيت الشيء أذى . ثم قال تعالى : * ( وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ) * وهو إخبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لصاروا منهزمين مخذولين * ( ثم لا ينصرون ) * أي إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة ولا قوة البتة ، ومثله قوله تعالى : * ( ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ) * ( الحشر : 12 ) قوله * ( قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم ) * ( آل عمران : 12 ) وقوله * ( نحن جميع منتصر * سيهزم الجمع ويولون الدبر ) * ( القمر : 44 ، 45 ) وكل ذلك وعد بالفتح والنصرة والظفر . واعلم أن هذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة ، منها أن المؤمنين آمنون من ضررهم ، ومنها أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا ، ومنها أنه لا يحصل لهم قوة وشوكة بعد الانهزام وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها ، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا ، وما أقدموا على محاربة وطلب رياسة إلا خذلوا ، وكل ذلك إخبار عن الغيب فيكون معجزاً وههنا سؤالات : السؤال الأول : هب أن اليهود كذلك ، لكن النصارى ليسوا كذلك فهذا يقدح في صحة هذه الآيات قلنا : هذه الآيات مخصوصة باليهود ، وأسباب النزول على ذلك فزال هذا الإشكال . السؤال الثاني : هلا جزم قوله * ( ثم لا ينصرون ) * . قلنا : عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الأخبار ابتداء كأنه قيل أخبركم أنهم لا ينصرون ، والفائدة فيه أنه لو جزم لكان نفي النصر مقيداً بمقاتلتهم كتولية الأدبار ، وحين رفع كان نفي النصر وعداً مطلقاً كأنه قال : ثم شأنهم وقصتهم التي أخبركم عنها وأبشركم بها بعد التولية أنهم لا يجدون النصرة بعد ذلك قط بل يبقون في الذلة والمهانة أبداً دائماً . السؤال الثالث : ما الذي عطف عليه قوله * ( ثم لا ينصرون ) * ؟ . الجواب : هو جملة الشرط والجزاء ، كأنه قيل : أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا ، ثم أخبركم أنهم لا ينصرون