فخر الدين الرازي

188

تفسير الرازي

للتسلسل ، وإذا كان المؤثر في حصول فعل العبد هو مجموع القدرة والداعية ، وثبت أن مجموع القدرة والداعية بخلق الله تعالى ثبت أن فعل العبد مستند إلى الله تعالى خلقاً وتكويناً بواسطة فعل السبب ، فهذا تمام القول في هذه المناظرة . المسألة الرابعة : قوله تعالى * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) * زعمت الفلاسفة أنه إنما قدم ذكر ما في السماوات على ذكر ما في الأرض لأن الأحوال السماوية أسباب للأحوال الأرضية ، فقدم السبب على المسبب ، وهذا يدل على أن جميع الأحوال الأرضية مستندة إلى الأحوال السماوية ، ولا شك أن الأحوال السماوية مستندة إلى خلق الله وتكوينه فيكون الجبر لازماً أيضاً من هذا الوجه . المسألة الخامسة : قال تعالى : * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور ) * فأعاد ذكر الله في أول الآيتين والغرض منه تأكيد التعظيم ، والمقصود أن تمنه مبدأ المخلوقات وإليه معادهم ، فقوله * ( ولله ما في السماوات وما في الأرض ) * إشارة إلى أنه سبحانه هو الأول وقوله * ( وإلى الله ترجع الأمور ) * إشارة إلى أنه هو الآخر ، وذلك يدل إحاطة حكمه وتصرفه وتدبيره بأولهم وآخرهم ، وأن الأسباب منتسبة إليه وأن الحاجات منقطعة عنده . المسألة السادسة : كلمة * ( إلى ) * في قوله * ( وإلى الله ترجع الأمور ) * لا تدل على كونه تعالى في مكان وجهة ، بل المراد أن رجوع الخلق إلى موضع لا ينفذ فيه حكم أحد إلا حكمه ولا يجري فيه قضاء أحد إلا قضاؤه . قوله تعالى * ( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ * لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الاَْدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ ) * .