فخر الدين الرازي

185

تفسير الرازي

أن يحصل منه الطاعة وذلك الرجحان لا يكون إلا بخلق الله تعالى ، فإذن صدور تلك الطاعة من العبد نعمة من الله في حق العبد فكيف يصير ذلك موجباً على الله شيئاً ، فثبت أن دخول الجنة لا يكون إلا بفضل الله وبرحمته وبكرمه لا باستحقاقنا . السؤال الثاني : كيف موقع قوله * ( هم فيها خالدون ) * بعد قوله * ( ففي رحمة الله ) * . الجواب : كأنه قيل : كيف يكونون فيها ؟ فقيل هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون . السؤال الثالث : الكفار مخلدون في النار كما أن المؤمنين مخلدون في الجنة ، ثم إنه تعالى لم ينص على خلود أهل النار في هذه الآية مع أنه نص على خلود أهل الجنة فيها فما الفائدة ؟ . والجواب : كل ذلك إشعارات بأن جانب الرحمة أغلب ، وذلك لأنه ابتدأ في الذكر بأهل الرحمة وختم بأهل الرحمة ، ولما ذكر العذاب ما أضافه إلى نفسه ، بل قال : * ( فذوقوا العذاب ) * مع أنه ذكر الرحمة مضافة إلى نفسه حيث قال : * ( ففي رحمة الله ) * ولما ذكر العذاب ما نص على الخلود مع أنه نص على الخلود في جانب الثواب ، ولما ذكر العذاب علله بفعلهم فقال : * ( فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون ) * ولما ذكر الثواب علله برحمته فقال : * ( ففي رحمة الله ) * ثم قال في آخر الآية * ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) * وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب ، وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ، يا أرحم الراحمين لا تحرمنا من برد رحمتك ومن كرامة غفرانك وإحسانك . ثم قال تعالى : * ( تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ) * فقوله * ( تلك ) * فيه وجهان الأول : المراد أن هذه الآيات التي ذكرناها هي دلائل الله ، وإنما جاز إقامة * ( تلك ) * مقام * ( هذه ) * لأن هذه الآيات المذكورة قد انقضت بعد الذكر ، فصار كأنها بعدت فقيل فيها * ( تلك ) * والثاني : إن الله تعالى وعده أن ينزل عليه كتاباً مشتملاً على كل ما لابد منه في الدين ، فلما أنزل هذه الآيات قال : تلك الآيات الموعودة هي التي نتلوها عليك بالحق ، وتمام الكلام في هذه المسألة قد تقدم في سورة البقرة في تفسير قوله * ( ذلك الكتاب ) * ( البقرة : 2 ) وقوله * ( بالحق ) * فيه وجهان الأول : أي ملتبسة بالحق والعدل من إجزاء المحسن والمسئ بما يستوجبانه الثاني : بالحق ، أي بالمعنى الحق ، لأن معنى التلو حق . ثم قال تعالى : * ( وما الله يريد ظلماً للعالمين ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : إنما حسن ذكر الظلم ههنا لأنه تقدم ذكر العقوبة الشديدة وهو سبحانه وتعالى أكرم الأكرمين ، فكأنه تعال يعتذر عن ذلك وقال إنهم ما وقعوا فيه إلا بسبب أفعالهم المنكرة ، فإن مصالح العالم لا تستقيم إلا بتهديد المذنبين ، وإذا حصل هذا التهديد فلا بد من التحقيق دفعاً للكذب ، فصار هذا الاعتذار من أدل الدلائل ، على أن جانب الرحمة غالب ، ونظيره قوله