فخر الدين الرازي

177

تفسير الرازي

عَظِيمٌ * يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ سْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * تِلْكَ ءَايَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِّلْعَالَمِينَ * وَللَّهِ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الاَْرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الاُْمُورُ ) * . اعلم أنه تعالى في الآيات المتقدمة عاب أهل الكتاب على شيئين أحدهما : أنه عابهم على الكفر ، فقال : * ( يا أهل الكتاب لم تكفرون ) * ( آل عمران : 70 ) ثم بعد ذلك عابهم على سعيهم في إلقاء الغير في الكفر ، فقال : * ( يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله ) * ( آل عمران : 99 ) فلما انتقل منه إلى مخاطبة المؤمنين أمرهم أولاً بالتقوى والإيمان ، فقال : * ( اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون واعتصموا بحبل الله جميعاً ) * ( آل عمران : 102 ، 103 ) ثم أمرهم بالسعي في إلقاء الغير في الإيمان والطاعة ، فقال : * ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ) * وهذا هو الترتيب الحسن الموافق للعقل ، وفي الآية مسألتان : المسألة الأولى : في قوله * ( منكم ) * قولان أحدهما : أن * ( من ) * ههنا ليست للتبعيض لدليلين الأول : أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة في قوله * ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر ) * ( آل عمران : 110 ) والثاني : هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، إما بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس إذا ثبت هذا فنقول : معنى هذه الآية كونوا أمة دعاة إلى الخير آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ، وأما كلمة * ( من ) * فهي هنا للتبيين لا للتبعيض كقوله تعالى : * ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) * ( الحج : 30 ) ويقال أيضاً : لفلان من أولاده جند وللأمير من غلمانه عسكر يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه لا بعضهم ، كذا ههنا ، ثم قالوا : إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين ، ونظيره قوله تعالى : * ( انفروا خفافاً وثقالاً ) * ( التوبة : 41 ) وقوله * ( إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ) * ( التوبة : 39 ) فالأمر عام ، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين .