فخر الدين الرازي

170

تفسير الرازي

ثم قال تعالى : * ( وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ) * وكلمة * ( كيف ) * تعجب ، والتعجب إنما يليق بمن لا يعلم السبب ، وذلك على الله محال ، والمراد منه المنع والتغليظ وذلك لأن تلاوة آيات الله عليهم حالاً بعد حال مع كون الرسول فيهم الذي يزيل كل شبهة ويقرر كل حجة ، كالمانع من وقوعهم في الكفر ، فكان صدور الكفر على الذين كانوا بحضرة الرسول أبعد من هذا الوجه ، فقوله * ( إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين ) * تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام ثم أرشد المسلمين إلى أنه يجب أن لا يلتفتوا إلى قولهم ، بل الواجب أن يرجعوا عند كل شبهة يسمعونها من هؤلاء اليهود إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، حتى يكشف عنها ويزيل وجه الشبهة فيها . ثم قال : * ( ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم ) * والمقصود : إنه لما ذكر الوعيد أردفه بهذا الوعد ، والمعنى : ومن يتمسك بدين الله ، ويجوز أن يكون حثاً لهم على الالتجاء إليه في دفع شرور الكفار والاعتصام في اللغة الاستمساك بالشيء وأصله من العصمة ، والعصمة المنع في كلام العرب ، والعاصم المانع ، واعتصم فلان بالشيء إذا تمسك بالشيء في منع نفسه من الوقوع في آفة ، ومنه قوله تعالى : * ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) * ( يوسف : 32 ) قال قتادة : ذكر في الآية أمرين يمنعان عن الوقوع في الكفر أحدهما : تلاوة كتاب الله والثاني : كون الرسول فيهم ، أما الرسول صلى الله عليه وسلم فقد مضى إلى رحمة الله ، وأما الكتاب فباق على وجه الدهر . وأما قوله * ( فقد هدي إلى صراط مستقيم ) * فقد احتج به أصحابنا على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى ، قالوا : لأنه جعل اعتصامهم هداية من الله ، فلما جعل ذلك الاعتصام فعلاً لهم وهداية من الله ثبت ما قلناه ، أما المعتزلة فقد ذكروا فيه وجوهاً الأول : أن المراد بهذه الهداية الزيادة في الألطاف المرتبة على أداء الطاعات كما قال تعالى : * ( يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ) * ( المائدة : 16 ) وهذا اختاره القفال رحمه الله والثاني : أن التقدير من يعتصم بالله فنعم ما فعل فإنه إنما هدي إلى الصراط المستقيم ليفعل ذلك الثالث : أن من يعتصم بالله فقد هدى إلى طريق الجنة والرابع : قال صاحب " الكشاف " * ( فقد هدي ) * أي فقد حصل له الهدى لا محالة ، كما تقول : إذا جئت فلانا فقد أفلحت ، كأن الهدى قد حصل فهو يخبر عنه حاصلاً وذلك لأن المعتصم بالله متوقع للهدى كما أن قاصد الكريم متوقع للفلاح عنده .