فخر الدين الرازي
168
تفسير الرازي
ذلك الإنكار عليهم في إضلالهم لضعفة المسلمين فقال : * ( قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن ) * قال الفرّاء : يقال صددته أصده صداً وأصددته إصداداً ، وقرأ الحسن * ( تصدون ) * بضم التاء من أصده ، قال المفسرون : وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته صلى الله عليه وسلم في كتابهم . ثم قال : * ( تبغونها عوجاً ) * العوج بكسر العين الميل عن الاستواء في كل ما لا يرى ، وهو الدين والقول ، فأما الشيء الذي يرى فيقال فيه : عوج بفتح العين كالحائط والقناة والشجرة ، قال ابن الأنباري : البغي يقتصر له على مفعول واحد إذا لم يكن معه اللام كقولك : بغيت المال والأجر والثواب وأُريد ههنا : تبغون لها عوجاً ، ثم أسقطت اللام كما قالوا : وهبتك درهماً أي وهبت لك درهماً ، ومثله صدت لك ظبياً وأنشد : فتولى غلامهم ثم نادى * أظليما أصيدكم أم حماراً أراد أصيد لكم والهاء في * ( تبغونها ) * عائدة إلى * ( السبيل ) * لأن السبيل يؤنث ويذكر و * ( العوج ) * يعني به الزيغ والتحريف ، أي تلتمسون لسبيله الزيغ والتحريف بالشبه التي توردونها على الضعفة نحو قولهم : النسخ يدل على البداء وقولهم : إنه ورد في التوراة أن شريعة موسى عليه السلام باقية إلى الأبد ، وفي الآية وجه آخر وهو أن يكون * ( عوجاً ) * في موضع الحال والمعنى : تبغونها ضالين وذلك أنهم كأنهم كانوا يدعون أنهم على دين الله وسبيله فقال الله تعالى : إنكم تبغون سبيل الله ضالين وعلى هذا القول لا يحتاج إلى إضمار اللام في تبغونها . ثم قال : * ( وأنتم شهداء ) * وفيه وجوه الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني أنتم شهداء أن في التوراة أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام الثاني : وأنتم شهداء على ظهور المعجزات على نبوته صلى الله عليه وسلم الثالث : وأنتم شهداء أنه لا يجوز الصد عن سبيل الله الرابع : وأنتم شهداء بين أهل دينكم عدول يثقون بأقوالكم ويعولون على شهادتكم في عظام الأمور وهم الأحبار والمعنى : أن من كان كذلك فكيف يليق به الإصرار على الباطل والكذب والضلال والإضلال . ثم قال : * ( وما الله بغافل عما تعملون ) * والمراد التهديد ، وهو كقول الرجل لعبده ، وقد أنكر طريقة لا يخفى على ما أنت عليه ولست غافلاً عن أمرك وإنما ختم الآية الأولى بقوله * ( ولله شهيد ) * وهذه الآية بقوله * ( وما الله بغافل عما تعملون ) * وذلك لأنهم كانوا يظهرون الكفر بنبوّة محمد صلى الله عليه وسلم وما كانوا يظهرون إلقاء الشبه في قلوب المسلمين ، بل كانوا يحتالون في ذلك بوجوه الحيل فلا جرم قال فيما أظهروه * ( والله شهيد ) * وفيما أضمروه * ( وما الله بغافل عما تعملون ) * وإنما كرر في الآيتين قوله * ( قل يا أهل الكتاب ) * لأن المقصود التوبيخ على ألطف الوجوه ، وتكرير هذا