فخر الدين الرازي

157

تفسير الرازي

يديه فذهبت أدفعها فقال : دعها فإنها سميت بكة لأنه يبك بعضهم بعضاً ، تمر المرأة بين يدي الرجل وهو يصلي ، والرجل بين يدي المرأة وهي تصلي لا بأس بذلك في هذا المكان . الوجه الثاني : سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه قال قطرب : تقول العرب بككت عنقه أبكه بكاً إذا وضعت منه ورددت نخوته . وأما مكة ففي اشتقاقها وجوه الأول : أن اشتقاقها من أنها تمك الذنوب أي تزيلها كلها ، من قولك : أمتك الفصيل ضرع أمه ، إذا امتص ما فيه الثاني : سميت بذلك لاجتلابها الناس من كل جانب من الأرض ، يقال أمتك الفصيل ، إذا استقصى ما في الضرع ، ويقال تمككت العظم ، إذا استقصيت ما فيه الثالث : سميت مكة ، لقلة مائها ، كأن أرضها امتكت ماءها الرابع : قيل : إن مكة وسط الأرض ، والعيون والمياه تنبع من تحت مكة ، فالأرض كلها تمك من ماء مكة ، ومن الناس من فرق بين مكة وبكة ، فقال بعضهم : إن بكة اسم للمسجد خاصة ، وأما مكة ، فهو اسم لكل البلد ، قالوا : والدليل عليه أن اشتقاق بكة من الازدحام والمدافعة ، وهذا إنما يحصل في المسجد عند الطواف ، لا في سائر المواضع ، وقال الأكثرون : مكة اسم للمسجد والمطاف . وبكة اسم البلد ، والدليل عليه أن قوله تعالى : * ( للذي ببكة ) * يدل على أن البيت حاصل في بكة ومظروف في بكة فلو كان بكة اسماً للبيت لبطل كون بكة ظرفاً للبيت ، أما إذا جعلنا بكة اسماً للبلد ، استقام هذا الكلام . المسألة الثانية : لمكة أسماء كثيرة ، قال القفال رحمه الله في " تفسيره " : مكة وبكة وأم رحم وكويساء والبشاشة والحاطمة تحطم من استخف بها ، وأم القرى قال تعالى : * ( لتنذر أم القرى ومن حولها ) * ( الأنعام : 92 ) وسميت بهذا الاسم لأنها أصل كل بلدة ومنها دحيت الأرض ، ولهذا المعنى يزار ذلك الموضع من جميع نواحي الأرض . المسألة الثالثة : للكعبة أسماء أحدها : الكعبة قال تعالى : * ( جعل الله الكعبة البيت الحرام ) * ( المائدة : 97 ) والسبب فيه أن هذا الاسم يدل على الإشراف والارتفاع ، وسمي الكعب كعباً لإشرافه وارتفاعه على الرسغ ، وسميت المرأة الناهدة الثديين كاعباً ، لارتفاع ثديها ، فلما كان هذا البيت أشرف بيوت الأرض وأقدمها زماناً ، وأكثرها فضيلة سمي بهذا الاسم وثانيها : البيت العتيق : قال تعالى : * ( ثم محلها إلى البيت العتيق ) * ( الحج : 33 ) وقال : * ( وليطوفوا بالبيت العتيق ) * ( الحج : 29 ) وفي اشتقاقه وجوه الأول : العتيق هو القديم ، وقد بينا أنه أقدم بيوت الأرض بل عند بعضهم أن الله خلقه قبل الأرض والسماء والثاني : أن الله أعتقه من الغرق حيث رفعه إلى السماء الثالث : من عتق الطائر إذا قوي في وكره ، فلما بلغ