فخر الدين الرازي
148
تفسير الرازي
عزاً ، ولذلك استوى في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع قال تعالى : * ( لا هن حل لهم ) * ( الممتحنة : 10 ) والوصف بالمصدر يفيد المبالغة فههنا الحل والمحلل واحد ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في زمزم هي حل وبل رواه سفيان بن عيينة فسئل سفيان : ما حل ؟ فقال محلل . أما قوله تعالى : * ( إلا ما حرم إسرائيل على نفسه ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في الشيء الذي حرمه إسرائيل على نفسه على وجوه الأول : روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن يعقوب مرض مرضاً شديداً فنذر لئن عافاه الله ليحرمن أحب الطعام والشراب عليه ، وكان أحب الطعام إليه لحمان الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها " وهذا قول أبي العالية وعطاء ومقاتل والثاني : قيل إنه كان به عرق النساء ، فنذر إن شفاه الله أن لا يأكل شيئاً من العروق الثالث : جاء في بعض الروايات أن الذي حرمه على نفسه زوائد الكبد والشحم إلا ما على الظهر ، ونقل القفال رحمه الله عن ترجمة التوراة ، أن يعقوب لما خرج من حران إلى كنعان بعث برداً إلى عيصو أخيه إلى أرض ساعير ، فانصرف الرسول إليه ، وقال : إن عيصو هو ذا يتلقاك ومعه أربعمائة رجل ، فذعر يعقوب وحزن جداً وصلّى ودعا وقدم هدايا لأخيه وذكر القصة إلى أن ذكر الملك الذي لقيه في صورة رجل ، فدنا ذلك الرجل ووضع أصبعه على موضع عرق النساء ، فخدرت تلك العصبة وجفت فمن أجل هذا لا يأكل بنو إسرائيل العروق . المسألة الثانية : ظاهر الآية يدل على أن إسرائيل حرم ذلك على نفسه ، وفيه سؤال : وهو أن التحريم والتحليل إنما يثبت بخطاب الله تعالى ، فكيف صار تحريم يعقوب عليه السلام سبباً لحصوله الحرمة . أجاب المفسرون عنه من وجوه الأول : أنه لا يبعد أن الإنسان إذا حرم شيئاً على نفسه فإن الله يحرمه عليه ألا ترى أن الإنسان يحرم امرأته على نفسه بالطلاق ، ويحرم جاريته بالعتق ، فكذلك جائز أن يقول تعالى إن حرمت شيئاً على نفسك فأنا أيضاً أحرمه عليك الثاني : أنه عليه الصلاة والسلام ربما اجتهد فأدى اجتهاده إلى التحريم ، فقال بحرمته وإنما قلنا : إن الاجتهاد جائز من الأنبياء لوجوه الأول : قوله تعالى : * ( فاعتبروا يا أولي الأبصار ) * ( الحشر : 2 ) ولا شك أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام رؤساء أولي الأبصار والثاني : قال : * ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) * ( النساء : 83 ) مدح المستنبطين والأنبياء أولى بهذا المدح والثالث : قال تعالى لمحمد عليه الصلاة والسلام * ( عفا الله عنك لم أذنت لهم ) * ( التوبة : 43 ) فلو كان ذلك الإذن بالنص ، لم يقل : لم أذنت ،