فخر الدين الرازي
137
تفسير الرازي
ففيه سؤالان : السؤال الأول : قال في أول الآية * ( كيف يهدي الله قوماً ) * وقال في آخرها * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * وهذا تكرار . والجواب : أن قوله * ( كيف يهدي الله ) * مختص بالمرتدين ، ثم إنه تعالى عمم ذلك الحكم في المرتد وفي الكافر الأصلي فقال : * ( والله لا يهدي القوم الظالمين ) * . السؤال الثاني : لم سمي الكافر ظالماً ؟ . الجواب : قال تعالى : * ( إن الشرك لظلم عظيم ) * ( لقمان : 13 ) والسبب فيه أن الكافر أورد نفسه موارد البلاء والعقاب بسبب ذلك الكفر ، فكان ظالماً لنفسه . ثم قال تعالى : * ( أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها ) * والمعنى أنه تعالى حكم بأن الذين كفروا بعد إيمانهم يمنعهم الله تعالى من هدايته ، ثم بيّن أن الأمر غير مقصور عليه ، بل كما لا يهديهم في الدنيا يلعنهم اللعن العظيم ويعذبهم في الآخرة ، على سبيل التأبيد والخلود . واعلم أن لعنة الله ، مخالفة للعنة الملائكة ، لأن لعنته بالإبعاد من الجنة وإنزال العقوبة والعذاب واللعنة من الملائكة هي بالقول ، وكذلك من الناس ، وكل ذلك مستحق لهم بسبب ظلمهم وكفرهم / فصح أن يكون جزاء لذلك وههنا سؤالان : السؤال الأول : لم عم جميع الناس ومن يوافقه لا يلعنه ؟ . قلنا : فيه وجوه الأول : قال أبو مسلم له أن يلعنه وإن كان لا يلعنه الثاني : أنه في الآخرة يلعن بعضهم بعضاً قال تعالى : * ( كلما دخلت أمة لعنت أختها ) * ( الأعراف : 38 ) وقال : * ( ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضاً ) * ( العنكبوت : 25 ) وعلى هذا التقدير فقد حصل اللعن للكفار من الكفار والثالث : كأن الناس هم المؤمنون ، والكفار ليسوا من الناس ، ثم لما ذكر لعن الثلاث قال : * ( أجمعين ) * الرابع : وهو الأصح عندي أن جميع الخلق يلعنون المبطل والكافر ، ولكنه يعتقد في نفسه أنه ليس بمبطل ولا بكافر ، فإذا لعن الكافر وكان هو في علم الله كافراً ، فقد لعن نفسه وإن كان لا يعلم ذلك . السؤال الثاني : قوله * ( خالدين فيها ) * أي خالدين في اللعنة ، فما خلود اللعنة ؟ . قلنا : فيه وجهان الأول : أن التخليد في اللعنة على معنى أنهم يوم القيامة لا يزال يلعنهم الملائكة والمؤمنون ومن معهم في النار فلا يخلو شيء من أحوالهم ، من أن يلعنهم لاعن من هؤلاء الثاني : أن المراد بخلود اللعن