فخر الدين الرازي

115

تفسير الرازي

واعلم أن من الناس من قال : إنه لا فرق بين قوله * ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) * وبين قوله * ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) * ( آل عمران : 78 ) وكرر هذا الكلام بلفظين مختلفين لأجل التأكيد ، أما المحققون فقالوا : المغايرة حاصلة ، وذلك لأنه ليس كل ما لم يكن في الكتاب لم يكن من عند الله ، فإن الحكم الشرعي قد ثبت تارة بالكتاب ، وتارة بالسنة ، وتارة بالإجماع ، وتارة بالقياس والكل من عند الله . فقوله * ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) * هذا نفي خاص ، ثم عطف عليه النفي العام فقال : * ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) * وأيضاً يجوز أن يكون المراد من الكتاب التوراة ، ويكون المراد من قولهم : هو من عند الله ، أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مثل أشعياء ، وأرمياء ، وحيقوق ، وذلك لأن القوم في نسبة التحريف إلى الله كانوا متحيرين ، فإن وجدوا قوماً من الأغمار والبله الجاهلين بالتوراة نسبوا ذلك المحرف إلى أنه من التوراة ، وإن وجدوا قوماً عقلاء أذكياء زعموا أنه موجود في كتب سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام ، واحتج الجبائي والكعبي به على أن فعل العبد غير مخلوق لله تعالى فقالا : لو كان لي اللسان بالتحريف والكذب خلقاً لله تعالى لصدق اليهود في قولهم : إنه من عند الله ولزم الكذب في قوله تعالى : إنه ليس من عند الله ، وذلك لأنهم أضافوا إلى الله ما هو من عنده ، والله ينفي عن نفسه ما هو من عنده ، ثم قال : وكفى خزياً لقوم يجعلون اليهود أولى بالصدق من الله قال : ليس لأحد أن يقول المراد من قولهم * ( لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ) * وبين قوله * ( ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ) * فرق ، وإذا لم يبق الفرق لم يحسن العطف ، وأجاب الكعبي عن هذا السؤال أيضاً من وجهين آخرين الأول : أن كون المخلوق من عند الخالق أوكد من كون المأمور به من عند الآمر به ، وحمل الكلام على الوجه الأقوى أولى والثاني : أن قوله * ( وما هو من عند الله ) * نفي مطلق لكونه من عند الله وهذا ينفي كونه من عند الله بوجه من الوجوه ، فوجب أن لا يكون من عنده لا بالخلق ولا بالحكم . والجواب : أما قول الجبائي لو حملنا قوله تعالى : * ( ويقولون هو من عند الله ) * على أنه كلام الله لزم التكرار ، فجوابه ما ذكرنا أن قوله * ( وما هو من الكتاب ) * معناه أنه غير موجود في الكتاب وهذا لا يمنع من كونه حكماً لله تعالى ثابتاً بقول الرسول أو بطريق آخر فلما قال : * ( وما هو من عند الله ) * ثبت نفي كونه حكماً لله تعالى وعلى هذا الوجه زال التكرار .