فخر الدين الرازي
112
تفسير الرازي
ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) * واعلم أنه تعالى فرع على ذلك الشرط وهو الشراء بعهد الله والأيمان ثمناً قليلاً ، خمسة أنواع من الجزاء أربعة منها في بيان صيرورتهم محرومين عن الثواب والخامس : في بيان وقوعهم في أشد العذاب ، أما المنع من الثواب فاعلم أن الثواب عبارة عن المنفعة الخالصة المقرونة بالتعظيم . فالأول : وهو قوله * ( أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ) * إشارة إلى حرمانهم عن منافع الآخرة . وأما الثلاثة الباقية : وهي قوله * ( ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ) * فهو إشارة إلى حرمانهم عن التعظيم والإعزاز . وأما الخامس : وهو قوله * ( ولهم عذاب أليم ) * فهو إشارة إلى العقاب ، ولما نبهت لهذا الترتيب فلنتكلم في شرح كل واحد من هذه الخمسة : أما الأول : وهو قوله * ( لا خلاق لهم في الآخرة ) * فالمعنى لا نصيب لهم في خير الآخرة ونعيمها واعلم أن هذا العموم مشروط بإجماع الأمة بعدم التوبة ، فإنه إن تاب عنها سقط الوعيد بالإجماع وعلى مذهبنا مشروط أيضاً بعدم العفو فإنه تعالى قال : * ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) . وأما الثاني : وهو قوله * ( ولا يكلمهم الله ) * ففيه سؤال ، وهو أنه تعالى قال : * ( فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون ) * ( الحجر : 92 ، 93 ) وقال : * ( فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين ) * ( الأعراف : 6 ) فكيف الجمع بين هاتين الآيتين ، وبين تلك الآية ؟ قال القفال في الجواب : المقصود من كل هذه الكلمات بيان شدة سخط الله عليهم ، لأن من منع غيره كلامه في الدنيا ، فإنما ذلك بسخط الله عليه وإذا سخط إنسان على آخر ، قال له لا أكلمك ، وقد يأمر بحجبه عنه ويقول لا أرى وجه فلان ، وإذا جرى ذكره لم يذكره بالجميل فثبت أن هذه الكلمات كنايات عن شدة الغضب نعوذ بالله منه . وهذا هو الجواب الصحيح ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون إسماع الله جلّ جلاله أولياءه كلامه بغير سفير تشريفاً عالياً يختص به أولياءه ، ولا يكلم هؤلاء الكفرة والفساق ، وتكون المحاسبة معهم بكلام الملائكة ومنهم من قال معنى هذه الآية أنه تعالى لا يكلمهم بكلام يسرهم وينفعهم والمعتد هو الجواب الأول . وأما الثالث : وهو قوله تعالى : * ( ولا ينظر إليهم ) * فالمراد إنه لا ينظر إليهم بالإحسان ، يقال فلان لا ينظر إلى فلان ، والمراد به نفي الاعتداد به وترك الإحسان إليه ، والسبب لهذا المجاز أن من اعتد بالإنسان التفت إليه وأعاد نظره إليه مرة بعد أخرى ، فلهذا السبب صار نظر الله عبارة عن الاعتداد والإحسان ، وإن لم يكن ثم نظر ، ولا يجوز أن يكون المراد من هذا النظر