فخر الدين الرازي
12
تفسير الرازي
واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى : * ( لا تتخذوا بطانة من دونكم ) * ( آل عمران : 118 ) وقوله * ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) * ( المجادلة : 22 ) وقوله * ( لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ) * وقوله * ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * ( الممتحنة : 1 ) وقال : * ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ) * ( التوبة : 71 ) . واعلم أن كون المؤمن موالياً للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون راضياً بكفره ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوباً له في ذلك الدين ، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر ، فيستحيل أن يبقى مؤمناً مع كونه بهذه الصفة . فإن قيل : أليس أنه تعالى قال : * ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) * وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلاً تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال : * ( يا أيها الذين آمنوا ) * فلا بد وأن يكون خطاباً في شيء يبقى المؤمن معه مؤمناً وثانيها : المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ، وذلك غير ممنوع منه . والقسم الثالث : وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال : * ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) * . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد من الآية النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء بمعنى أن يتولوهم دون المؤمنين ، فأما إذا تولوهم وتولوا المؤمنين معهم فذلك ليس بمنهي عنه ، وأيضاً فقوله * ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء ) * فيه زيادة مزية ، لأن الرجل قد يوالي غيره ولا يتخذه موالياً فالنهي عن اتخاذه موالياً لا يوجب النهي عن أصل مولاته . قلنا : هذان الاحتمالان وإن قاما في الآية إلا أن سائر الآيات الدالة على أنه لا تجوز موالاتهم دلّت على سقوط هذين الاحتمالين . المسألة الثانية : إنما كسرت الذال من يتخذ لأنها مجزوم للنهي ، وحركت لاجتماع الساكنين قال الزجاج : ولو رفع على الخبر لجاز ، ويكون المعنى على الرفع أن من كان مؤمناً فلا ينبغي أن يتخذ الكافر ولياً . واعلم أن معنى النهي ومعنى الخبر يتقاربان لأنه متى كانت صفة المؤمن أن لا يوالي الكافر كان