فخر الدين الرازي

109

تفسير الرازي

بالرسول صلى الله عليه وسلم ، روي أن اليهود بايعوا رجالاً في الجاهلية فلما أسلموا طالبوهم بالأموال فقالوا : ليس لكم علينا حق لأنكم تركتم دينكم ، وأقول : من المحتمل أنه كان من مذهب اليهود أن من انتقل من دين باطل إلى دين آخر باطل كان في حكم المرتد ، فهم وإن اعتقدوا أن العرب كفار إلا أنهم لما اعتقدوا في الإسلام أنه كفر حكموا على العرب الذين أسلموا بالردة . المسألة الثانية : نفي السبيل المراد منه نفي القدرة على المطالبة والإلزام . قال تعالى : * ( ما على المحسنين من سبيل ) * ( التوبة : 91 ) وقال : * ( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً ) * ( النساء : 141 ) وقال : * ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ) * ( الشورى : 41 ، 42 ) . المسألة الثالثة : * ( الأمي ) * منسوب إلى الأم ، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم أُمياً قيل لأنه كان لا يكتب وذلك لأن الأم أصل الشيء فمن لا يكتب فقد بقي على أصله في أن لا يكتب ، وقيل : نسب إلى مكة وهي أم القرى . ثم قال تعالى : * ( ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ) * وفيه وجوه الأول : أنهم قالوا : إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش الثاني : أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة الثالث : أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم . ثم قال تعالى : * ( بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ) * . اعلم أن في * ( بلى ) * وجهين أحدهما : أنه لمجرد نفي ما قبله ، وهو قوله * ( ليس علينا في الأميين سبيل ) * فقال الله تعالى راداً عليهم * ( بلى ) * عليهم سبيل في ذلك وهذا اختيار الزجاج ، قال : وعندي وقف التمام على * ( بلى ) * وبعده استئناف والثاني : أن كلمة * ( بلى ) * كلمة تذكر ابتداء لكلام آخر يذكر بعده ، وذلك لأن قولهم : ليس علينا فيما نفعل جناح قائم مقام قولهم : نحن أحباء الله تعالى ، فذكر الله تعالى أن أهل الوفاء بالعهد والتقى هم الذين يحبهم الله تعالى لا غيرهم ، وعلى هذا الوجه فإنه لا يحسن الوقف على * ( بلى ) * وقوله * ( من أوفى بعهده ) * مضى الكلام في معنى الوفاء بالعهد والضمير في * ( بعهده ) * يجوز أن يعود على اسم * ( الله ) * في قوله * ( ويقولون على الله الكذب ) * ويجوز أن يعود على * ( من ) * لأن العهد مصدر فيضاف إلى المفعول وإلى الفاعل وههنا سؤالان : السؤال الأول : بتقدير * ( أن ) * يكون الضمير عائداً إلى الفاعل وهو * ( من ) * فإنه يحتمل أنه لو وفى أهل الكتاب بعهودهم وتركوا الخيانة ، فإنهم يكتسبون محبة الله تعالى .