فخر الدين الرازي

67

تفسير الرازي

إن الله تعالى ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه ، كمن تقرب إلى السلطان الكبير بتحفة وهدية ، فإنه لا بد وأن تكون تلك التحفة أفضل ما في ملكه وأشرفها ، فكذا هاهنا ، بقي في الآية سؤال واحد ، وهو أن يقال ما الفائدة في كلمة * ( من ) * في قوله * ( ومما أخرجنا لكم من الأرض ) * . وجوابه : تقدير الآية : أنفقوا من طيبات ما كسبتم ، وأنفقوا من طيبات ما أخرجنا لكم من الأرض ، إلا أن ذكر الطيبات لما حصل مرة واحدة حذف في المرة الثانية لدلالة المرة الأولى عليه . أما قوله تعالى : * ( ولا تيمموا الخبيث ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : يقال : أممته ، ويممته ، وتأممته ، كله بمعنى قصدته قال الأعشى : تيممت قيساً وكم دونه من الأرض من مهمه ذي شرف المسألة الثانية : قرأ ابن كثير وحده * ( ولا تيمموا ) * بتشديد التاء لأنه كان في الأصل تاءان تاء المخاطبة ، وتاء الفعل فأدغم إحداهما في الأخرى ، والباقون بفتح التاء مخففة وعلى هذا الخلاف في أخواتها ، وهي ثلاثة وعشرون موضعاً : لا تفرقوا ، توفاهم ، تعاونوا ، فتفرق بكم ، تلقف ، تولوا ، تنازعوا ، تربصون ، فإن تولوا ، لا تكلم ، تلقونه ، تبرجن ، تبدل ، تناصرون ، تجسسوا ، تنابزوا ، لتعارفوا ، تميز ، تخيرون ، تلهى ، تلظى ، تنزل الملائكة ، وهاهنا بحثان : البحث الأول : قال أبو علي : هذا الإدغام غير جائز ، لأن المدغم يسكن وإذا سكن لزم أن تجلب همزة الوصل عند الابتداء به ، كما جلبت في أمثلة الماضي نحو : أدارأتم ، وارتبتم وأطيرنا ، لكن أجمعوا على أن همزة الوصل لا تدخل على المضارع . البحث الثاني : اختلفوا في التاء المحذوفة على قراءة العامة ، فقال بعضهم : هي التاء الأولى وسيبويه لا يسقط إلا الثانية ، والفرّاء يقول : أيهما أسقطت جاز لنيابة الباقية عنها . أما قوله تعالى : * ( منه تنفقون ) * . فاعلم أن في كيفية نظم الآية وجهين الأول : أنه تم الكلام عند قوله * ( ولا تيمموا الخبيث ) * ثم ابتدأ ، فقال : * ( منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) * فقوله * ( منه تنفقون ) * استفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى : أمنه تنفقون مع أنكم لستم بآخذيه إلا مع الاغماض والثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله * ( إلا أن تغمضوا فيه ) * ويكون الذي مضمراً ، والتقدير : ولا تيمموا الخبيث منه الذي تنفقونه ولستم بآخذيه إلا بالإغماض فيه ، ونظيره إضمار التي في قوله تعالى : * ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) * ( البقرة : 256 ) والمعنى الوثقى التي لا انفصام لها .