فخر الدين الرازي

51

تفسير الرازي

المسألة الخامسة : الآية دلت أن المن والأذى من الكبائر ، حيث تخرج هذه الطاعة العظيمة بسبب كل واحد منهما عن أن تفيد ذلك الثواب الجزيل . أما قوله * ( لهم أجرهم ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : احتجت المعتزلة بهذه الآية على أن العمل يوجب الأجر على الله تعالى ، وأصحابنا يقولون : حصول الأجر بسبب الوعد لا بسبب نفس العمل لأن العمل واجب على العبد وأداء الواجب لا يوجب الأجر . المسألة الثانية : احتج أصحابنا بهذه الآية على نفي الإحباط ، وذلك لأنها تدل على أن الأجر حاصل لهم على الاطلاق ، فوجب أن يكون الأجر حاصلاً لهم بعد فعل الكبائر ، وذلك يبطل القول بالإحباط . المسألة الثالثة : أجمعت الأمة على أن قوله * ( لهم أجرهم عند ربهم ) * مشروط بأن لا يوجد منه الكفر ، وذلك يدل على أنه يجوز التكلم بالعام لإرادة الخاص ، ومتى جاز ذلك في الجملة لم تكن دلالة اللفظ العام على الاستغراق دلالة قطعية ، وذلك يوجب سقوط دلائل المعتزلة في التمسك بالعمومات على القطع بالوعيد . أما قوله * ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) * ففيه قولان الأول : أن إنفاقهم في سبيل الله لا يضيع ، بل ثوابه موفر عليهم يوم القيامة ، لا يخافون من أن لا يوجد ، ولا يحزنون بسبب أن لا يوجد ، وهو كقوله تعالى : * ( ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً ) * ( طه : 112 ) والثاني : أن يكون المراد أنهم يوم القيامة لا يخافون العذاب البتة ، كما قال : * ( وهم من فزع يومئذ آمنون ) * ( النمل : 89 ) وقال : * ( لا يحزنهم الفزع الأكبر ) * ( الأنبياء : 103 ) . قوله تعالى * ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَلِيمٌ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ واَلاَْذَى كالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ باِللَّهِ وَالْيَوْمِ الاَْخِرِ