فخر الدين الرازي
37
تفسير الرازي
أبو علي الفارسي ، فقوله : لم يتسنن . أي الشراب بقي بحاله لم ينضب ، وقد أتى عليه مائة عام ، ثم أنه حذفت النون الأخيرة وأبدلت بها السكت عند الوقف على ما قررناه في الوجه الثاني ، فهذه الوجوه الثلاثة لبيان الحذف ، وأما بيان الإثبات فهو أن * ( لم يتسنه ) * مأخوذ من السنة ، والسنة أصلها سنهه ، بدليل أنه يقال في تصغيرها : سنيهة ، ويقال : سانهت النخلة بمعنى عاومت ، وآجرت الدار مسانهة ، وإذا كان كذلك فالهاء في * ( لم يتسنه ) * لام الفعل ، فلا جرم لم يحذف البتة لا عند الوصل ولا عند الوقف . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( لم يتسنه ) * أي لم يتغير وأصل معنى * ( لم يتسنه ) * أي لم يأت عليه السنون لأن مر السنين إذا لم يتغير فكأنها لم تأت عليه ، ونقلنا عن أبي علي الفارسي : لم يتسنن أي لم ينضب الشراب ، بقي في الآية سؤالان : السؤال الأول : أنه تعالى لما قال : * ( بل لبثت مائة عام ) * كان من حقه أن يذكر عقيبه ما يدل على ذلك وقوله * ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) * لا يدل على أنه لبث مائة عام بل يدل ظاهراً على ما قاله من أنه لبث يوماً أو بعض يوم . والجواب : أنه كلما كانت الشبهة أقوى مع علم الإنسان في الجملة أنها شبهة كان سماع الدليل المزيل لتلك الشبهة آكد ووقوعه في العمل أكمل فكأنه تعالى لما قال : * ( بل لبثت مائة عام ) * قال : * ( فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه ) * فإن هذا مما يؤكد قولك * ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) * فحينئذ يعظم اشتياقك إلى الدليل الذي يكشف عن هذه الشبهة ، ثم قال بعده * ( وانظر إلى حمارك ) * فرأى الحمار صار رميماً وعظاماً نخرة فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، فإن الطعام والشراب يسرع التغير فيهما ، والحمار ربما بقي دهراً طويلاً وزماناً عظيماً ، فرأى ما لا يبقى باقياً ، وهو الطعام والشراب ، وما يبقى غير باق وهو العظام ، فعظم تعجبه من قدرة الله تعالى ، وتمكن وقوع هذه الحجة في عقله وفي قلبه . السؤال الثاني : أنه تعالى ذكر الطعام والشراب ، وقوله * ( لم يتسنه ) * راجع إلى الشراب لا إلى الطعام . والجواب : كما يوصف الشراب بأنه لم يتغير ، كذلك يوصف الطعام بأنه لم يتغير ، لا سيما إذا كان الطعام لطيفاً يتسارع الفساد إليه ، والمروي أن طعامه كان التين والعنب ، وشرابه كان عصير العنب واللبن ، وفي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه * ( وانظر إلى طعامك وهذا شرابك لم يتسنن ) * .