فخر الدين الرازي

35

تفسير الرازي

أما قوله تعالى : * ( ثم بعثه ) * فالمعنى : ثم أحياه ، ويوم القيامة يسمى يوم البعث لأنهم يبعثون من قبورهم ، وأصله من بعثت الناقة إذا أقمتها من مكانها ، وإنما قال * ( ثم بعثه ) * ولم يقل : ثم أحياه لأن قوله * ( ثم بعثه ) * يدل على أنه عاد كما كان أولاً حياً عاقلاً فهما مستعدا للنظر والاستدلال في المعارف الإلهية ، ولو قال : ثم أحياه لم تحصل هذه الفوائد . أما قوله تعالى : * ( قال كم لبثت ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : فيه وجهان من القراءة ، قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالإدغام والباقون بالإظهار ، فمن أدغم فلقرب المخرجين ومن أظهر فلتباين المخرجين وإن كانا قريبين . المسألة الثانية : أجمعوا على أن قائل هذا القول هو الله تعالى وإنما عرف أن هذا الخطاب من الله تعالى ، لأن ذلك الخطاب كان مقروناً بالمعجز ، ولأنه بعد الإحياء شاهد من أحوال حماره وظهور البلى في عظامه ما عرف به أن تلك الخوارق لم تصدر إلا من الله تعالى . المسألة الثالثة : في الآية إشكال ، وهو أن الله تعالى كان عالماً بأنه كان ميتاً وكان عالماً بأن الميت لا يمكنه بعد أن صار حياً أن يعلم أن مدة موته كانت طويلة أم قصيرة ، فمع ذلك لأي حكمة سأله عن مقدار تلك المدة . والجواب عنه : أن المقصود من هذا السؤال التنبيه على حدوث ما حدث من الخوارق . أما قوله تعالى : * ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) * ففيه سؤالات : السؤال الأول : لم ذكر هذا الترديد ؟ . الجواب : أن الميت طالت مدة موته أو قصرت فالحال واحدة بالنسبة إليه فأجاب بأقل ما يمكن أن يكون ميتاً لأنه اليقين ، وفي التفسير أن إماتته كانت في أول النهار ، فقال * ( يوماً ) * ثم لما نظر إلى ضوء الشمس باقياً على رؤوس الجدران فقال : * ( أو بعض يوم ) * . السؤال الثاني : أنه لما كان اللبث مائة عام ، ثم قال : * ( لبثت يوماً أو بعض يوم ) * أليس هذا يكون كذباً ؟ . والجواب : أنه قال ذلك على حسب الظن ، ولا يكون مؤاخذاً بهذا الكذب ، ونظيره أنه تعالى حكى عن أصحاب الكهف أنهم قالوا * ( لبثنا يوماً أو بعض يوم ) * على ما توهموه ووقع عندهم ، وأيضاً قال أخوة يوسف عليه السلام : * ( يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا ) * ( يوسف : 81 ) وإنما قالوا : ذلك بناء على الأمارة من إخراج الصواع من رحله .