فخر الدين الرازي

220

تفسير الرازي

* ( إن الدين عند الله الإسلام ) * ( آل عمران : 19 ) بفتح * ( أن ) * فعلى هذا يكون المعنى : شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله * ( أنه لا إله إلا هو ) * اعتراضاً في الكلام ، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه ، لأن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء ، وبتقدير * ( أن ) * تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها ، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى . المسألة الثانية : المراد من * ( أولي العلم ) * في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة ، إذا كان الإخبار مقروناً بالعلم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : " إذا علمت مثل الشمس فاشهد " وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا لعلماء الأصول . أما قوله تعالى : * ( قائماً بالقسط ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : * ( قائماً بالقسط ) * منتصب ، وفيه وجوه : الوجه الأول : نصب على الحال ، ثم فيه وجوه أحدها : التقدير : شهد الله قائماً بالقسط وثانيها : يجوز أن يكون حالا من هو تقديره : لا إله إلا هو قائماً بالقسط ، ويسمى هذا حالاً مؤكدة كقولك : أتانا عبد الله شجاعاً ، وكقولك : لا رجل إلا عبد الله شجاعاً . الوجه الثاني : أن يكون صفة المنفي ، كأنه قيل : لا إله قائماً بالقسط إلا هو ، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف . والوجه الثالث : أن يكون نصباً على المدح . فإن قيل : أليس من حق المدح أن يكون معرفة ، كقولك ، الحمد لله الحميد . قلنا : وقد جاء نكرة أيضاً ، وأنشد سيبويه : ويأوي إلى نسوة عطل * وشعثاً مراضع مثل السعالي المسألة الثانية : قوله * ( قائماً بالقسط ) * فيه وجهان الأول : أنه حال من المؤمنين والتقدير : وأولوا العلم حال كون كل واحد منهم قائماً بالقسط في أداء هذه الشهادة والثاني : وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من * ( شهد الله ) * . المسألة الثالثة : معنى كونه * ( قائماً بالقسط ) * قائماً بالعدل ، كما يقال : فلان قائم بالتدبير ، أي يجريه على الاستقامة . واعلم أن هذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا ، ومنه ما هو متصل بباب الدين ، أما المتصل بالدين ، فانظر أولاً في كيفية خلقة أعضاء الإنسان ، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها ، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح ، والغنى والفقر والصحة والسقم ، وطول العمر وقصره