فخر الدين الرازي
208
تفسير الرازي
القول الأول : حكي عن الحسن أنه قال : الشيطان زين لهم ، وكان يحلف على ذلك بالله ، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها : أنه تعالى أطلق حب الشهوات ، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها : أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه ، ومنتهى مقصوده ، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها : قوله تعالى : * ( ذلك متاع الحياة الدنيا ) * ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له ورابعها : قوله بعد هذه الآية * ( قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ) * ( آل عمران : 15 ) والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه ، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه . والقول الثاني : قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها : أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده ، وإباحتها للعبيد تزيين لها ، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى ، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة ، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها وثانيها : أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة ، والله تعالى قد ندب إليها ، فكان مزيناً لها ، وإنما قلنا : إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول : أن يتصدق بها والثاني : أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث : أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سبباً لاشتغال العبد بالشكر العظيم ، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول : شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه والرابع : أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً ، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس : قوله تعالى : * ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ) * ( البقرة : 29 ) وقال : * ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) * ( الأعراف : 32 ) وقال : * ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) * ( الكهف : 7 ) وقال : * ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) * ( الأعراف : 31 ) وقال في سورة البقرة * ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم ) * ( البقرة : 22 ) وقال * ( كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ) * ( البقرة : 168 ) وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى ، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد * ( زين للناس ) * على تسمية الفاعل . والقول الثالث : وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل ، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى ، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه