فخر الدين الرازي

204

تفسير الرازي

وقال : * ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ) * ( آل عمران : 125 ) والألف مع الأربعة آلاف : خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض ، وهو المراد بقوله * ( والله يؤيد بنصره من يشاء ) * والله أعلم . ثم قال الله تعالى : * ( فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : القراءة المشهورة * ( فئة ) * بالرفع ، وكذا قوله * ( وأخرى كافرة ) * وقرئ * ( فئة فقاتل وأخرى كافرة ) * بالجر على البدل من فئتين ، وقرئ بالنصب إما على الاختصاص ، أو على الحال من الضمير في التقتا ، قال الواحدي رحمه الله : والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام . المسألة الثانية : المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون ، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله . وقوله * ( وأخرى كافرة ) * المراد بها كفار قريش . ثم قال تعالى : * ( يرونهم مثليهم رأي العين ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قرأ نافع وأبان عن عاصم * ( ترونهم ) * بالتاء المنقطة من فوق ، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود ، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثل ما كانوا ، أو مثلي الفئة الكافرة ، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى : ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة ، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب ، وهو قوله * ( فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم ) * فقوله * ( يرونهم ) * يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين . المسألة الثانية : إعلم أنه قد تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله * ( يرونهم مثلهم ) * يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة ، والمرئيون هم الفئة المسلمة ، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان ، وأيضاً فقوله * ( مثليهم ) * يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة الأول : أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين . والاحتمال الثاني : أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين ، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم . فإن قيل : هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال * ( ويقللكم في أعينهم ) * ( الأنفال : 44 ) . فالجواب : أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين ، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم ، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا مغلوبين ، ثم إن تقليلهم في أول الأمر ، وتكثيرهم