فخر الدين الرازي
201
تفسير الرازي
عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم ، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم والله أعلم . المسألة الثانية : ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً الأول : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة ، جمع يهود في سوق بني قينقاع ، وقال : يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً ، فقالوا : يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال ، لو قاتلتنا لعرفت ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . الرواية الثانية : أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر ، قالوا : والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة ، ونعته وأنه لا ترد له راية ، ثم قال بعضهم لبعض : لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا : ليس هذا هو ذاك ، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . والرواية الثالثة : أن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم ، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم . المسألة الثالثة : احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية ، فقال : إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم ، فلو آمنوا وأطاعوا لانقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال ، ومستلزم المحال محال ، فكان الإيمان والطاعة محالاً منهم ، وقد أمروا به ، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق ، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى : * ( سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ) * ( البقرة : 6 ) . المسألة الرابعة : قوله * ( ستغلبون ) * إخبار عن أمر يحصل في المستقبل ، وقد وقع مخبره على موافقته ، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز ، ونظيره قوله تعالى : * ( غلبت الروم ، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ) * ( الروم : 2 ، 3 ) الآية ، ونظيره في حق عيسى عليه السلام * ( وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم ) * ( آل عمران : 49 ) . المسأُلة الخامسة : دلّت الآية على حصول البعث في القيامة ، وحصول الحشر والنشر ، وأن مرد الكافرين إلى النار . ثم قال : * ( وبئس المهاد ) * وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال : * ( بئس المهاد ) * والمهاد : الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش ، قال الله تعالى : * ( والأرض فرشناها فنعم الماهدون ) * ( الذاريات : 48 ) فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة ، قال الله تعالى : * ( وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس ) * ( الأعراف : 165 )