فخر الدين الرازي
199
تفسير الرازي
سنين دأبا ) * ( يوسف : 47 ) أي بجد واجتهاد ودوام ، ويقال : سار فلان يوماً دائباً ، إذا أجهد في السير يومه كله ، هذا معناه في اللغة ، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة ، يقال : هذا دأب فلان أي عادته ، وقال بعضهم : الدؤب والدأب الدوام . إذا عرفت هذا فنقول : في كيفية التشبيه وجوه الأول : أن يفسر الدأب بالاجتهاد ، كما هو معناه في أصل اللغة ، وهذا قول الأصم والزجاج ، ووجه التشبيه أن دأب الكفار ، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام ، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم ، فكذا نهلك هؤلاء . الوجه الثاني : أن يفسر الدأب بالشأن والصنع ، وفيه وجوه الأول : * ( كدأب آل فرعون ) * أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم ، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى ، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد ، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة والثاني : أن تقدير الآية : أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم ، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل ، وتارة إلى المفعول ، والمراد ههنا ، كدأب الله في آل فرعون ، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( يحبونهم كحب الله ) * ( البقرة : 165 ) أي كحبهم الله وقال : * ( سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ) * ( الإسراء : 77 ) والمعنى : سنتي فيمن أرسلنا قبلك والثالث : قال القفال رحمه الله : يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى ، والعادة المضافة إلى الكفار ، كأنه قيل : إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلى الله عليه وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم ، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء ، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين ، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلى الله عليه وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم . الوجه الثالث : في تفسير الدأب والدؤب ، وهو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء ، وتقدير الآية ، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون ، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون . والوجه الرابع : أن الدأب هو الاجتهاد ، كما ذكرناه ، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به ، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب ، وهو قوله تعالى : * ( أغرقوا فأدخلوا ناراً ) * ( نوح : 25 ) وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله * ( النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) * ( غافر : 46 ) .