فخر الدين الرازي

187

تفسير الرازي

واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات . وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله * ( وأضلهم السامري ) * ( طه : 85 ) * ( وأضل فرعون قومه وما هدى ) * ( طه : 79 ) * ( وما يضل به إلا الفاسقين ) * ( البقرة : 26 ) وفسروا أيضاً قوله * ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها ) * ( الإسراء : 16 ) على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال : * ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) * ( البقرة : 185 ) * ( ويريد الله ليبين لكم ويهديكم ) * ( النساء : 26 ) وتأولوا قوله تعالى : * ( زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون ) * ( النمل : 4 ) على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : * ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) * ( الرعد : 11 ) * ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) * ( القصص : 59 ) وقال : * ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) * ( فصلت : 17 ) وقال : * ( فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ) * ( يونس : 108 ) وقال : * ( ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) * ( الحجرات : 7 ) فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دلّ على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً ، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة . وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقاً وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل