فخر الدين الرازي

170

تفسير الرازي

وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل . ثم قال الله تعالى : * ( وأنزل التوراة والإنجيل ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قال صاحب " الكشاف " : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن * ( والأنجيل ) * بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه . أما لفظ * ( التوراة ) * ففيه أبحاث ثلاثة : البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفرّاء * ( التوراة ) * معناها الضياء والنور ، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : * ( فالموريات قدحا ) * ( العاديات : 2 ) ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : * ( ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ) * ( الأنبياء : 48 ) . البحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال : القول الأول : قال الفرّاء : أصل * ( التوراة ) * تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها . القول الثاني : قال الفرّاء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن ترفية وتوصية ، فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيئ ، فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر : فما الدنيا بباقاة لحيو * ما حي على الدنيا بباق والقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت * ( توراة ) * وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفرّاء ، أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيئ ، والقرآن ما نزل بها البتة . البحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله أعلم .