فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
* ( أولياؤهم الطاغوت ) * فأفرد في موضع الجمع ، كما يقال : هم رضاهم عدل ، قالوا : وهذا اللفظ يقع على الواحد وعلى الجمع ، أما في الواحد فكما في قوله تعالى : * ( يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) * ( النساء : 60 ) وأما في الجمع فكما في قوله تعالى : * ( والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت ) * ( البقرة : 257 ) وقالوا : الأصل فيه التذكير ، فأما قوله : * ( والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) * ( الزمر : 17 ) فإنما أنثت إرادة الآلهة . إذا عرفت هذا فنقول : ذكر المفسرون فيه خمسة أقوال الأول : قال عمر ومجاهد وقتادة هو الشيطان الثاني : قال سعيد بن جبير : الكاهن الثالث : قال أبو العالية : هو الساحر الرابع : قال بعضهم الأصنام الخامس : أنه مردة الجن والإنس وكل ما يطغى ، والتحقيق أنه لما حصل الطغيان عند الاتصال بهذه الأشياء جعلت هذه الأشياء أسباباً للطغيان كما في قوله * ( رب إنهن أضللن كثيراً من الناس ) * ( إبراهيم : 36 ) . أما قوله * ( ويؤمن بالله ) * ففيه إشارة إلى أنه لا بد للكافر من أن يتوب أولاً عن الكفر ، ثم يؤمن بعد ذلك . أما قوله * ( فقد استمسك بالعروة الوثقى ) * فاعلم أنه يقال : استمسك بالشيء إذا تمسك به والعروة جمعها عرا نحو عروة الدلو والكوز وإنما سميت بذلك ، لأن العروة عبارة عن الشيء الذي يتعلق به والوثقى تأنيث الأوثق ، وهذا من باب استعارة المحسوس للمعقول ، لأن من أراد إمساك شيء يتعلق بعروته ، فكذا هاهنا من أراد إمساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ، ولما كانت دلائل الإسلام أقوى الدلائل وأوضحها ، لا جرم وصفها بأنها العروة الوثقى . أما قوله * ( لا انفصام لها ) * ففيه مسائل : المسألة الأولى : الفصم كسر الشيء من غير إبانة ، والانفصام مطاوع الفصم فصمته فانفصم والمقصود من هذا اللفظ المبالغة ، لأنه إذا لم يكن لها انفصام ، فإن لا يكون لها انقطاع أولى . المسألة الثانية : قال النحويون : نظم الآية بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها ، والعرب تضمر * ( التي ) * و * ( الذي ) * و * ( من ) * وتكتفي بصلاتها منها ، قال سلامة بن جندل : والعاديات أسامي للدماء بها * كأن أعناقها أنصاب ترحيب يريد العاديات التي قال الله : * ( وما منا إلا له مقام معلوم ) * ( الصافات : 164 ) أي من له .