فخر الدين الرازي

158

تفسير الرازي

قوله تعالى : * ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * . إعلم أن هذا هو النوع الثالث من دعاء المؤمنين ، وفيه مسائل : المسألة الأولى : الطاقة اسم من الإطاقة ، كالطاعة من الإطاعة ، والجابة من الإجابة وهي توضع موضع المصدر . المسألة الثانية : من الأصحاب من تمسك به في أن تكليف ما لا يطاق جائز إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلبه بالدعاء من الله تعالى . أجاب المعتزلة عنه من وجوه الأول : أن قوله * ( ما لا طاقة لنا به ) * أي يشق فعله مشقة عظيمة وهو كما يقول الرجل : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان إذا كان مستثقلاً له . قال الشاعر : إنك إن كلفتني ما لم أطق ساءك ما سرك مني من خلق وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المملوك : " له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق " أي ما يشق عليه ، وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " المريض يصلي جالساً ، فإن لم يستطع فعلى جنب " فقوله : فإن لم يستطع ليس معناه عدم القوة على الجلوس ، بل كل الفقهاء يقولون : المراد منه إذا كان يلحقه في الجلوس مشقة عظيمة شديدة ، وقال الله تعالى في وصف الكفار * ( ما كانوا يستطيعون السمع ) * ( هود : 20 ) أي كان يشق عليهم . الوجه الثاني : أنه تعالى لم يقل : لا تكلفنا ما لا طاقة لنا به ، بل قال : * ( لا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) * والتحميل هو أن يضع عليه ما لا طاقة له بتحمله فيكون المراد منه العذاب والمعنى لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله فلو حملنا الآية على ذلك كان قوله * ( لا تحملنا ) * حقيقة فيه ولو حملناه على التكليف كان قوله * ( لا تحملنا ) * مجازاً فيه ، فكان الأول أولى . الوجه الثالث : هب أنهم سألوا الله تعالى أن لا يكلفهم بما لا قدرة لهم عليه لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلافه ، لأنه لو دل على ذلك لدل قوله * ( رب احكم بالحق ) * ( الأنبياء : 112 ) على جواز أن يحكم بباطل ، وكذلك يدل قول إبراهيم عليه السلام * ( ولا تخزني يوم يبعثون ) * ( الشعراء : 87 ) على جواز أن يخزي الأنبياء ، وقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم * ( ولا تطع الكافرين والمنافقين ) * ( الأحزاب : 48 ) ولا يدل هذا على جواز أن يطيع الرسول الكافرين والمنافقين وكذا الكلام في قوله * ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) * ( الزمر : 65 ) هذا جملة أجوبة المعتزلة .