فخر الدين الرازي

153

تفسير الرازي

به نصب ولا لغوب . المسألة الثالثة : احتج أصحابنا بهذه الآية على فساد القول بالمحابطة قالوا : لأنه تعالى أثبت كلا الأمرين على سبيل الجمع ، فبيّن أن لها ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت ، وهذا صريح في أن هذين الاستحقاقين يجتمعان ، وأنه لا يلزم من طريان أحدهما زوال الآخر ، قال الجبائي : ظاهر الآية وإن دل على الإطلاق إلا أنه مشروط والتقدير : لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم تبطله ، وعليها ما اكتسبت من العقاب إذا لم تكفره بالتوبة ، وإنما صرنا إلى إضمار هذا الشرط لما بينا أن الثواب يجب أن يكون منفعة خالصة دائمة وأن العقاب يجب أن يكون مضرة خالصة دائمة ، والجمع بينهما محال في العقول ، فكان الجمع بين استحقاقيهما أيضاً محالاً . واعلم أن الكلام على هذه المسألة مرّ على الاستقصاء في تفسير قوله تعالى : * ( لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ) * ( القرة : 264 ) فلا نعيده . المسألة الرابعة : احتج كثير من المتكلمين بهذه الآية على أن الله تعالى لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم ، ووجه الاستدلال ظاهر فيه ، ونظيره قوله تعالى : * ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ) * ( الأنعام : 164 ) . المسألة الخامسة : الفقهاء تمسكوا بهذه الآية في إثبات أن الأصل في الإمساك البقاء والاستمرار ، لأن اللام في قوله * ( لها ما كسبت ) * يدل على ثبوت هذا الاختصاص ، وتأكد ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم : " كل امرئ أحق بكسبه من والده وولده وسائر الناس أجمعين " وإذا تمهد هذا الأصل خرج عليه شيء كثير من مسائل الفقه . منها أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله : * ( لها ما كسبت ) * والعارض الموجود ، إما الغضب ، وإما الضمان ، وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبرة . ومنها أنه إذا غصب ساحة وأدرجها في بنائه ، أو غصب حنطة فطحنها لا يزول الملك لقوله * ( لها ما كسبت ) * . ومنها أنه لا شفعة للجار ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله * ( لها ما كسبت ) * والفرق بين الشريك والجار ظاهر بدليل أن الجار لا يقدم على الشريك ، وذلك يمنع من حصول الاستواء ولأن التضرر بمخالطة الجار أقل ولأن في الشركة يحتاج إلى تحمل مؤنة القسمة وهذا المعنى مفقود في الجار . ومنها أن القطع لا يمنع وجوب الضمان ، لأن المقتضي لبقاء الملك قائم ، وهو قوله * ( لها ما