فخر الدين الرازي

147

تفسير الرازي

من قبله الغفران فيما يخافون من تقصيرهم فيما يأتون ويذرون والثاني : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم والليلة سبعين مرة " فذكروا لهذا الحديث تأويلات من جملتها أنه عليه الصلاة والسلام كان في الترقي في درجات العبودية فكان كلما ترقى من مقام إلى مقام أعلى من الأول رأى الأول حقيراً ، فكان يستغفر الله منه ، فحمل طلب الغفران في القرآن في هذه الآية على هذا الوجه أيضاً غير مستبعد والثالث : أن جميع الطاعات في مقابلة حقوق إلهيته جنايات ، وكل أنواع المعارف الحاصلة عند الخلق في مقابلة أنوار كبريائه تقصير وقصور وجهل ، ولذلك قال : * ( وما قدروا الله حق قدره ) * ( الأنعام : 91 ) وإذا كان كذلك فالعبد في أي مقام كان من مقام العبودية ، وإن كان عالماً جداً إذا قوبل ذلك بجلال كبرياء الله تعالى صار عين التقصير الذي يجب الاستغفار منه ، وهذا هو السر في قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : * ( فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) * ( محمد : 19 ) فإن مقامات عبوديته وإن كانت عالية إلا أنه كان ينكشف له في درجات مكاشفاته أنها بالنسبة إلى ما يليق بالحضرة الصمدية عن التقصير ، فكان يستغفر منها ، وكذلك حكي عن أهل الجنة كلامهم فقال * ( دعواهم فيها سبحانك اللّهم وتحيتهم فيها سلام ) * ( يونس : 10 ) فسبحانك اللّهم إشارة إلى التنزيه . ثم إنه قال : * ( وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين ) * ( يونس : 10 ) يعني أن كل الحمد لله وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا . المسألة الثانية : قوله * ( غفرانك ) * تقديره : اغفر غفرانك ، ويستغني بالمصدر عن الفعل في الدعاء نحو سقياً ورعياً ، قال الفرّاء : هو مصدر وقع موقع الأمر فنصب ، ومثله الصلاة الصلاة ، والأسد الأسد ، وهذا أولى من قول من قال : نسألك غفرانك لأن هذه الصيغة لما كانت موضوعة لهذا المعنى ابتداء كانت أدل عليه ، ونظيره قولك : حمداً حمداً ، وشكراً شكراً ، أي أحمد حمداً ، وأشكر شكر . المسألة الثالثة : أن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين أحدهما : بالإضافة إليه ، وهو قوله * ( غفرانك ) * والثاني : أردفه بقوله * ( ربنا ) * وهذان القيدان يتضمنان فوائد إحداها : أنت الكامل في هذه الصفة ، فأنت غافر الذنب ، وأنت غفور * ( وربك الغفور ) * ( الكهف : 58 ) * ( وهو الغفور الودود ) * ( البروج : 14 ) وأنت الغفار * ( استغفروا ربكم إنه كان غفاراً ) * ( نوح : 10 ) يعني أنه ليست غفاريته من هذا الوقت ، بل كانت قبل هذا الوقت غفار الذنوب ، فهذه الغفارية كالحرفة له ، فقوله ههنا * ( غفرانك ) * يعني أطلب الغفران منك وأنت الكامل في هذه الصفة ، والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة ، فقوله * ( غفرانك ) *