فخر الدين الرازي

144

تفسير الرازي

كان مقروناً بالألف واللام ، وهذه مضافة . قلنا : قد جاء المضاف من الأسماء ونعني به الكثرة ، قال الله تعالى : * ( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ) * ( إبراهيم : 34 ) وقال الله تعالى : * ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ) * ( البقرة : 187 ) وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام قال العلماء : والقراءة بالجمع أفضل لمشاكلة ما قبله وما بعده من لفظ الجمع ولأن أكثر القراءة عليه ، واعلم أن القراء أجمعوا في قوله * ( ورسله ) * على ضم السين ، وعن أبي عمرو سكونها ، وعن نافع * ( وكتبه ورسله ) * مخففين ، وحجة الجمهور أن أصل الكلمة على فعل بضم العين ، وحجة أبي عمرو هي أن لا تتوالى أربع متحركات ، لأنهم كرهوا ذلك ، ولهذا لم تتوال هذه الحركات في شعر إلا أن يكون مزاحفاً ، وأجاب الأولون أن ذلك مكروه في الكلمة الواحدة أما في الكلمتين فلا بدليل أن الإدغام غير لازم في وجعل ذلك مع أنه قد توالى فيه خمس متحركات ، والكلمة إذا اتصل بها ضمير فهي كلمتان لا كلمة واحدة . المسألة الرابعة : قوله * ( لا نفرق بين أحد من رسله ) * فيه محذوف ، والتقدير : يقولون لا نفرق بين أحد من رسله كقوله * ( والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا ) * ( الأنعام : 93 ) معناه يقولون : أخرجوا وقال : * ( والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ) * ( الزمر : 3 ) أي قالوا هذا . المسألة الخامسة : قرأ أبو عمرو * ( يفرق ) * بالياء على أن الفعل لكل ، وقرأ عبد الله * ( لا يفرقون ) * . المسألة السادسة : أحد في معنى الجمع ، كقوله * ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) * ( الحاقة : 47 ) والتقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، هذا هو الذي قالوه ، وعندي أنه لا يجوز أن يكون أحد ههنا في معنى الجمع ، لأنه يصير التقدير : لا نفرق بين جميع رسله ، وهذا لا ينافي كونهم مفرقين بين بعض الرسل والمقصود بالنفي هو هذا ، لأن اليهود والنصارى ما كانوا يفرقون بين كل الرسل ، بل بين البعض وهو محمد صلى الله عليه وسلم ، فثبت أن التأويل الذي ذكروه باطل ، بل معنى الآية : لا نفرق بين أحد من الرسل ، وبين غيره في النبوّة ، فإذا فسرنا بهذا حصل المقصود من الكلام ، والله أعلم . ثم قال الله تعالى : * ( وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) * . وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : الكلام في نظم هذه الآية من وجوه الأول : وهو أن كمال الإنسان في أن يعرف الحق لذاته ، والخير لأجل العمل به ، واستكمال القوة النظرية بالعلم ، واستكمال القوة العملية بفعل الخيرات ، والقوة النظرية أشرف من القوة العملية ، والقرآن مملوء من ذكرهما بشرط أن تكون القوة النظرية مقدمة على العملية قال عن إبراهيم * ( رب هب لي حكماً وألحقني بالصالحين ) * ( الشعراء : 83 )