فخر الدين الرازي
142
تفسير الرازي
لطيفة أو كثيفة ، فإن كانت لطيفة فهي أجسام نورانية ، أو هوائية ، وإن كانت كذلك فكيف يمكن أن تكون مع لطافة أجسامها بالغة في القوة إلى الغاية القصوى ، فذاك مقام العلماء الراسخين في علوم الحكمة القرآنية والبرهانية . والمرتبة الثانية في الإيمان بالملائكة : العلم بأنهم معصومون مطهرون * ( يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ) * ( النحل : 50 ) * ( لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون ) * ( الأنبياء : 19 ) فإن لذتهم بذكر الله ، وأنسهم بعبادة الله ، وكما أن حياة كل واحد منا بنفسه الذي هو عبارة عن استنشاق الهواء ، فكذلك حياتهم بذكر الله تعالى ومعرفته وطاعته . والمرتبة الثالثة : أنهم وسائط بين الله وبين البشر ، فكل قسم منهم متوكل على قسم من أقسام هذا العالم ، كما قال سبحانه : * ( والصافات صفاً ، فالزاجرات زجراً ) * ( الصافات : 1 ، 2 ) وقال : * ( والذاريات ذروا ، فالحاملات وقرا ) * ( الذاريات : 1 ، 2 ) وقال : * ( والمرسلات عرفا ، فالعاصفات عصفا ) * ( المرسلات : 1 ، 2 ) وقال : * ( والنازعات غرقا ، والناشطات نشطا ) * ( النازعات : 1 ، 2 ) ولقد ذكرنا في تفسير هذه الآيات أسراراً مخفية ، إذا طالعها الراسخون في العلم وقفوا عليها . والمرتبة الرابعة : أن كتب الله المنزلة إنما وصلت إلى الأنبياء بواسطة الملائكة ، قال الله تعالى : * ( إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين ) * ( التكوير : 19 ، 20 ، 21 ) فهذه المراتب لا بد منها في حصول الإيمان بالملائكة ، فكلما كان غوص العقل في هذه المراتب أشد كان إيمانه بالملائكة أتم . وأما الإيمان بالكتب : فلا بد فيه من أمور أربعة أولها : أن يعلم أن هذه الكتب وحي من الله تعالى إلى رسوله ، وأنها ليست من باب الكهانة ، ولا من باب السحر ، ولا من باب إلقاء الشياطين والأرواح الخبيثة وثانيها : أن يعلم أن الوحي بهذه الكتب وإن كان من قبل الملائكة المطهرين ، فالله تعالى لم يمكن أحداً من الشياطين من إلقاء شيء من ضلالاتهم في أثناء هذا الوحي الطاهر ، وعند هذا يعلم أن من قال : إن الشيطان ألقى قوله : تلك الغرانيق العلا في أثناء الوحي ، فقد قال قولاً عظيماً ، وطرق الطعن والتهمة إلى القرآن . والمرتبة الثالثة : أن هذا القرآن لم يغير ولم يحرف ، ودخل فيه فساد قول من قال : إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان رضي الله عنه ، فإن من قال ذلك أخرج القرآن عن كونه حجة . والمرتبة الرابعة : أن يعلم أن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه ، وأن محكمه