فخر الدين الرازي

135

تفسير الرازي

فإن قيل : المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى : * ( اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ) * ( غافر : 17 ) . قلنا : هذا خاص فيكون مقدماً على ذلك العام . الوجه الرابع في الجواب : أنه تعالى قال : * ( يحاسبكم به الله ) * ولم يقل : يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومحاسباً وجوهاً كثيرة ، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالماً بها ، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم ، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه ، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب . الوجه السابع في الجواب : أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله * ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) * فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارهاً لورود تلك الخواطر ، والعذاب يكون نصيباً لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها . الوجه السادس : قال بعضهم : المراد بهذه الآية كتمان الشهادة ، وهو ضعيف ، لأن اللفظ عام ، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه . الوجه السابع في الجواب : ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله * ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ) * ( القرة : 286 ) وهذا أيضاً ضعيف لوجوه أحدها : أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا : أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها ، وذلك باطل ، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة ، ولذلك قال عليه السلام : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " والثاني : أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر ، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث : أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي . واعلم أن الناس اختلافاً في أن الخبر هل ينسخ أم لا ؟ وقد ذكرنا في أصول الفقه والله أعلم . ثم قال : * ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب ، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب ، وقوله * ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) * رفع للقطع واحد من الأمرين ، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيباً للمؤمن يرثه المذنب بأعماله . المسألة الثانية : قرأ عاصم وابن عامر * ( فيغفر ، يعذب ) * برفع الراء والباء ، وأما الباقون