فخر الدين الرازي
131
تفسير الرازي
فإنه أمانة في يده ، والوجه هو الأول . المسألة الثانية : من الناس من قال : هذه الآية ناسخة للآيات المتقدمة الدالة على وجوب الكتابة والإشهاد وأخذ الرهن ، واعلم أن التزام وقوع النسخ من غير دليل يلجئ إليه خطأ ، بل تلك الأوامر محمولة على الإرشاد ورعاية الاحتياط ، وهذه الآية محمولة على الرخصة ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ليس في آية المداينة نسخ ، ثم قال : * ( ولا تكتموا الشهاد ) * وفي التأويل وجوه : الوجه الأول : قال القفال رحمه الله : إنه تعالى لما أباح ترك الكتابة والإشهاد والرهن عند اعتقاد كون المديون أميناً ، ثم كان من الجائز في هذا المديون أن يخلف هذا الظن ، وأن يخرج خائناً جاحداً للحق ، إلا أنه من الجائز أن يكون بعض الناس مطلعاً على أحوالهم ، فههنا ندب الله تعالى ذلك الإنسان إلى أن يسعى في إحياء ذلك الحق ، وأن يشهد لصاحب الحق بحقه ، ومنعه من كتمان تلك الشهادة سواء عرف صاحب الحق تلك الشهادة ، أو لم يعرف وشدد فيه بأن جعله آثم القلب لو تركها ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر يدل على صحة هذا التأويل ، وهو قوله " خير الشهود من شهد قبل أن يستشهد " . الوجه الثاني : في تأويل أن يكون المراد من كتمان الشهادة أن ينكر العلم بتلك الواقعة ، ونظيره قوله تعالى : * ( أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هوداً أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله ) * ( البقرة : 140 ) والمراد الجحود وإنكار العلم . الوجه الثالث : في كتمان الشهادة والامتناع من أدائها عند الحاجة إلى إقامتها ، وقد تقدم ذلك في قوله * ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) * ( البقرة : 282 ) وذلك لأنه متى امتنع عن إقامة الشهادة فقد بطل حقه ، وكان هو بالامتناع من الشهادة كالمبطل لحقه ، وحرمة مال المسلم كحرمة دمه ، فهذا بالغ في الوعيد . ثم قال : * ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : الآثم الفاجر ، روي أن عمر كان يعلم أعرابياً * ( إن شجرة الزقوم طعام الأثيم ) * ( الدخان : 43 ، 44 ) فكان يقول : طعام اليتيم ، فقال له عمر : طعام الفاجر . فهذا يدل على أن الآثم بمعنى الفجور . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : آثم خبر إن وقلبه رفع بآثم على الفاعلية كأنه قيل فإنه يأثم قلبه وقرئ * ( قلبه ) * بالفتح كقوله * ( سفه نفسه ) * ( البقرة : 130 ) وقرأ ابن أبي عبلة * ( أثم قلبه ) * أي جعله آثماً . المسألة الثالثة : إعلم أن كثيراً من المتكلمين قالوا . إن الفاعل والعارف والمأمور والمنهي هو القلب ، وقد استقصينا هذه المسألة في سورة الشعراء في تفسير قوله تعالى : * ( نزل به الروح الأمين