فخر الدين الرازي
124
تفسير الرازي
يأب الشهداء إذا ما دعوا ) * إلى الأمر بالأداء حملاً له على فائدة جديدة ، فكان ذلك أولى ، فقد ظهر بما ذكرنا دلالة الآية على أنه يجب على الشاهد أن لا يمتنع من إقامة الشهادة إذا دعي إليها . واعلم أن الشاهد إما أن يكون متعيناً ، وإما أن يكون فيهم كثرة ، فإن كان متعيناً وجب عليه أداء الشهادة ، وإن كان فيهم كثرة صار ذلك فرضاً على الكفاية . المسألة الثانية : قد شرحنا دلالة هذه الآية على أن العبد لا يجوز أن يكون شاهداً فلا نعيده الثالثة : قال الشافعي رضي الله عنه : يجوز القضاء بالشاهد واليمين ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه : لا يجوز ، واحتج أبو حنيفة بهذه الآية فقال : إن الله تعالى أوجب عند عدم شهادة رجلين شهادة الرجل والمرأتين على التعيين ، فلو جوزنا الاكتفاء بالشاهد واليمين لبطل ذلك التعيين ، وحجة الشافعي رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قضى بالشاهد واليمين ، وتمام الكلام فيه مذكور في خلافيات الفقه . واعلم أنه تعالى لما أمر عند المداينة بالكتبة أولاً ، ثم بالإشهاد ثانياً ، أعاد ذلك مرة أخرى على سبيل التأكيد ، فأمر بالكتبة ، فقال : * ( ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً إلى أجله ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : السآمة الملال والضجر ، يقال : سئمت الشيء سأماً وسآمة ، والمقصود من الآية البعث على الكتابة قل المال أو كثر ، فإن القليل من المال في هذا الاحتياط كالكثير ، فإن النزاع الحاصل بسبب القليل من المال ربما أدى إلى فساد عظيم ولجاج شديد ، فأمر تعالى في الكثير والقليل بالكتابة ، فقال : * ( ولا تسأموا ) * أي ولا تملوا فتتركوا ثم تندموا . فإن قيل : فهل تدخل الحبة والقيراط في هذا الأمر ؟ . قلنا : لا لأن هذا محمول على العادة ، ليس في العادة أن يكتبوا التافه . المسألة الثانية : * ( أن ) * في محل النصب لوجهين : إن شئت جعلته مع الفعل مصدراً فتقديره : ولا تسأموا كتابته ، وإن شئت بنزع الخافض تقديره : ولا تسأموا من أن تكتبوه إلى أجله . المسألة الثالثة : الضمير في قوله * ( أن تكتبوه ) * لا بد وأن يعود إلى المذكور سابقاً ، وهو هاهنا إما الدين وإما الحق . المسألة الرابعة : قرىء * ( ولا يسأموا أن يكتبوه ) * بالياء فيهما . ثم قال تعالى : * ( ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى أن لا ترتابوا ) * اعلم أن الله تعالى