فخر الدين الرازي

121

تفسير الرازي

النوع الثاني : من الأمور التي اعتبرها الله تعالى في المداينة الإشهاد ، وهو قوله تعالى : * ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * واعلم أن المقصود من الكتابة هو الاستشهاد لكي يتمكن بالشهود عند الجحود من التوصل إلى تحصيل الحق ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : * ( استشهدوا ) * أي أشهدوا يقال : أشهدت الرجل واستشهدته ، بمعنى : والشهيدان هما الشاهدان ، فعيل بمعنى فاعل . المسألة الثانية : الإضافة في قوله * ( من رجالكم ) * فيه وجوه الأول : يعني من أهل ملتكم وهم المسلمون والثاني : قال بعضهم : يعني الأحرار والثالث : * ( من رجالكم ) * الذين تعتدونهم للشهادة بسبب العدالة . المسألة الثالثة : شرائط الشهادة كثيرة مذكورة في كتب الفقه ، ونذكر هاهنا مسألة واحدة وهي أن عند شريح وابن سيرين وأحمد تجوز شهادة العبد ، وعند الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما لا تجوز ، حجة شريح أن قوله تعالى : * ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * عام يتناول العبيد وغيرهم ، والمعنى المستفاد من النص أيضاً دال عليه ، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب ، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي ، فصار ذلك سبباً في إحياء حقه ، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق ، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة ، حجة الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما قوله تعالى : * ( ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ) * فهذا يقتضي أنه يجب على كل من كان شاهداً الذهاب إلى موضع أداء الشهادة ، ويحرم عليه عدم الذهاب إلى أداء الشهادة ، فلما دلّت الآية على أن كل من كان شاهداً وجب عليه الذهاب والإجماع دل على أن العبد لا يجب عليه الذهاب ، فوجب أن لا يكون العبد شاهداً ، وهذا الاستدلال حسن . وأما قوله تعالى : * ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * فقد بينا أن منهم من قال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم الذين تعتدونهم لأداء الشهادة ، وعلى هذا التقدير فلم قلتم أن العبيد كذلك . ثم قال تعالى : * ( فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ) * وفي ارتفاع رجل وامرأتان أربعة أوجه الأول : فليكن رجل وامرأتان والثاني : فليشهد رجل وامرأتان والثالث : فالشاهد رجل وامرأتان والرابع : فرجل وامرأتان يشهدون كل هذه التقديرات جائز حسن ، ذكرها علي بن عيسى رحمه الله . ثم قال : * ( ممن ترضون من الشهداء ) * وهو كقوله تعالى في الطلاق * ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) * ( الطلاق : 2 ) واعلم أن هذه الآية تدل على أنه ليس كل أحد صالحاً للشهادة والفقهاء قالوا : شرائط قبول الشهادة