فخر الدين الرازي
118
تفسير الرازي
إلى الدياس ، أو إلى قدوم الحاج ، لم يجز لعدم التسمية . أما قوله تعالى : * ( فاكتبوه ) * فاعلم أنه تعالى أمر في المداينة بأمرين أحدهما : الكتبة وهي قوله هاهنا * ( فاكتبوه ) * الثاني : الإشهاد وهو قوله * ( فاستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : فائدة الكتبة والإشهاد أن ما يدخل فيه الأجل ، تتأخر فيه المطالبة ويتخلله النسيان ، ويدخل فيه الجحد ، فصارت الكتابة كالسبب لحفظ المال من الجانبين لأن صاحب الدين إذا علم أن حقه قد قيد بالكتابة والإشهاد يحذر من طلب الزيادة ، ومن تقديم المطالبة قبل حلول الأجل ، ومن عليه الدين إذا عرف ذلك يحذر عن الجحود ، ويأخذ قبل حلول الأجل في تحصيل المال ، ليتمكن من أدائه وقت حلول الدين ، فلما حصل في الكتابة والإشهاد هذه الفوائد لا جرم أمر الله به والله أعلم . المسألة الثانية : القائلون بأن ظاهر الأمر للندب لا إشكال عليهم في هذه ، وأما القائلون بأن ظاهره للوجوب فقد اختلفوا فيه ، فقال قوم بالوجوب وهو مذهب عطاء ، وابن جريج والنخعي واختيار محمد بن جرير الطبري ، وقال النخعي يشهد ولو على دستة بقل ، وقال آخرون : هذا الأمر محمول على الندب ، وعلى هذا جمهور الفقهاء المجتهدين ، والدليل عليه أنا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجلة من غير كتابة ولا إشهاد ، وذلك إجماع على عدم وجوبهما ، ولأن في إيجابهما أعظم التشديد على المسلمين ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " بعثت بالحنيفية السهلة السمحة " وقال قوم : بل كانت واجبة ، إلا أن ذلك صار منسوخاً بقوله * ( فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤد الذي أؤتمن أمانته ) * ( البقرة : 283 ) وهذا مذهب الحسن والشعبي والحكم وابن عيينة ، وقال التيمي : سألت الحسن عنها فقال : إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد ، ألا تسمع قوله تعالى : * ( فإن أمن بعضكم بعضاً ) * واعلم أنه تعالى لما أمر بكتب هذه المداينة اعتبر في تلك الكتبة شرطين : الشرط الأول : أن يكون الكاتب عدلاً وهو قوله * ( وليكتب بينكم كاتب بالعدل ) * واعلم أن قوله تعالى : * ( فاكتبوه ) * ظاهره يقتضي أنه يجب على كل أحد أن يكتب ، لكن ذلك غير ممكن ، فقد لا يكون ذلك الإنسان كاتباً ، فصار معنى قوله * ( فاكتبوه ) * أي لا بد من حصول هذه الكتبة ، وهو كقوله تعالى : * ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ) * ( المائدة : 38 ) فإن ظاهره وإن كان يقتضي خطاب الكل بهذا الفعل ، إلا أنا علمنا أن المقصود منه أنه لا بد من حصول قطع اليد من إنسان واحد ، إما الإمام أو نائبه أو المولى ، فكذا هاهنا ثم تأكد هذا الذي قلناه بقوله تعالى : * ( وليكتب بينكم كاتب