فخر الدين الرازي

94

تفسير الرازي

والقول الثالث : وهو قول أبي عمرو بن العلاء : أن القرء هو الوقت ، يقال : أقرأت النجوم إذا طلعت ، وأقرأت إذا أفلت ، ويقال : هذا قارئ الرياح لوقت هبوبها ، وأنشدوا للهذلي : إذا هبت لقارئها الرياح وإذا ثبت أن القرء هو الوقت دخل فيه الحيض والطهر ، لأن لكل واحد منهما وقتاً معيناً ، واعلم أنه تعالى أمر المطلقة أن تعتد بثلاثة قروء ، والظاهر يقتضي أنها إذا اعتدت بثلاثة أشياء تسمى ثلاثة أقراء إن تخرج عن عهدة التكليف ، إلا أن العلماء أجمعوا على أنه لا يكفي ذلك ، بل عليها أن تعتد بثلاثة أقراء من أحد الجنسين ، واختلفوا فيه فمذهب الشافعي رضي الله عنه أنها الأطهار ، روى ذلك عن ابن عمر ، وزيد ، وعائشة ، والفقهاء السبعة ، ومالك ، وربيعة ، وأحمد رضي الله عنهم في رواية ، وقال علي وعمر وابن مسعود هي الحيض ، وهو قول أبي حنيفة ، والثوري والأوزاعي وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وإسحاق رضي الله عنهم ، وفائدة الخلاف أن مدة العدة عند الشافعي أقصر ، وعندهم أطول ، حتى لو طلقها في حال الطهر يحسب بقية الطهر قرءاً وإن حاضت عقيبه في الحال ، فإذا شرعت في الحيضة الثالثة انقضت عدتها ، وعند أبي حنيفة رضي الله عنه ما لم تطهر من الحيضة الثالثة إن كان الطلاق في حال الطهر ، ومن الحيضة الرابعة إن كان في حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها ، ثم قال إذا طهرت لأكثر الحيض تنقضي عدتها قبل الغسل وإن طهرت لأقل الحيض لم تنقض عدتها حتى تغتسل أو تتيمم عند عدم الماء ، أو يمضي عليها وقت صلاة ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : قوله تعالى : * ( فطلقوهن لعدتهن ) * ( الطلاق : 1 ) ومعناه في وقت عدتهن ، لكن الطلاق في زمان الحيض منهي عنه فوجب أن يكون زمان العدة غير زمان الحيض ، أجاب صاحب " الكشاف " عنه فقال بمعنى مستقبلات لعدتهن ، كما يقول لثلاث بقين من الشهر ، يريد مستقبلاً لثلاث ، وأقول هذا الكلام يقوى استدلال الشافعي رضي الله عنه لأن قول القائل لثلاث بقين من الشهر معناه لزمان يقع الشروع في الثلاث عقيبه ، فكذا ههنا قوله : * ( فطلقوهن لعدتهن ) * معناه طلقوهن بحيث يحصل الشروع في العدة عقيبه ، ولما كان الأمر حاصلاً بالتطليق في جميع زمان الطهر وجب أن يكون الطهر الحاصل عقيب زمان التطليق من العدة ، وذلك هو المطلوب . الحجة الثانية : ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار ، ثم قال الشافعي رضي الله عنه : والنساء بهذا أعلم ، لأن هذا إنما يبتلي به النساء .