فخر الدين الرازي
92
تفسير الرازي
التخصيص أكثر ، وهذه الآية ليست كذلك فإنكم أخرجتم من عمومها خمسة أقسام وتركتم قسماً واحداً ، فإطلاق لفظ العام في مثل هذا الموضع لا يليق بحكمة الله تعالى . والجواب : أما الأجنبية فخارجة عن اللفظ فإن الأجنبية لا يقال فيها : إنها مطلقة ، وأما غير المدخول بها فالقرينة تخرجها لأن المقصود من العدة براءة الرحم ، والحاجة إلى البراءة لا تحصل إلا عند سبق الشغل ، وأما الحامل والآيسة فهما خارجتان عن اللفظ لأن إيجاب الاعتداد بالأقراء إنما يكون حيث تحصل الإقراء ، وهذان القسمان لم تحصل الإقراء في حقهما ، وأما الرقيقة فتزويجها كالنادر فثبت أن الأعم الأغلب باق تحت هذا العموم . السؤال الثاني : قوله : * ( يتربصن ) * لا شك أنه خبر ، والمراد منه الأمر فما الفائدة في التعبير عن الأمر بلفظ الخبر . والجواب من وجهين : الأول : أنه تعالى لو ذكره بلفظ الأمر لكان ذلك يوهم أنه لا يحصل المقصود إلا إذا شرعت فيها بالقصد والاختيار ، وعلى هذا التقدير فلو مات الزوج ولم تعلم المرأة ذلك حتى انقضت العدة وجب أن لا يكون ذلك كافياً في المقصود ، لأنها لما كانت مأمورة بذلك لم تخرج عن العهدة إلا إذا قصدت أداء التكليف ، أما لما ذكر الله تعالى هذا التكليف بلفظ الخبر زال ذلك الوهم ، وعرف أنه مهما انقضت هذه العدة حصل المقصود ، سواء علمت ذلك أو لم تعلم وسواء شرعت في العدة بالرضا أو بالغضب الثاني : قال صاحب " الكشاف " : التعبير عن الأمر بصيغة الخبر يفيد تأكيد الأمر إشعاراً بأنه مما يجب أن يتعلق بالمسارعة إلى امتثاله ، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجوداً ، ونظيره قولهم في الدعاء : رحمك الله أخرج في صورة الخبر ثقة بالإجابة كأنها وجدت الرحمة فهو يخبر عنها . السؤال الثالث : لو قال يتربص المطلقات : لكان ذلك جملة من فعل وفاعل ، فما الحكمة في ترك ذلك ، وجعل المطلقات مبتدأ ، ثم قوله : * ( يتربص ) * إسناد الفعل إلى الفاعل ، ثم جعل هذه الجملة خبراً عن ذلك المبتدأ . الجواب : قال الشيخ عبد القاهر الجرجاني في كتاب " دلائل الإعجاز " : إنك إذا قدمت الاسم فقلت : زيد فعل فهذا يفيد من التأكيد والقوة ما لا يفيده قولك : فعل زيد ، وذلك لأن قولك : زيد فعل يستعمل في أمرين أحدهما : أن يكون لتخصيص ذلك الفاعل بذلك الفعل ، كقولك : أنا أكتب في المهم الفلاني إلى السلطان ، والمراد دعوى الإنسان الانفراد الثاني : أن لا يكون المقصود ذلك ، بل المقصود أن تقديم ذكر المحدث عنه بحديث كذا لإثبات ذلك الفعل ، كقولهم :