فخر الدين الرازي
89
تفسير الرازي
لا يكون مولياً حتى يحلف على أن لا يطأها أبداً والثاني : قول الحسن البصري وإسحق : إن أي مدة حلف عليها كان مولياً وإن كانت يوماً ، وهذان المذهبان في غاية التباعد والثالث : قول أبي حنيفة والثوري أنه لا يكون مولياً حتى يحلف على أنه لا يطأها أربعة أشهر أو فيما زاد والرابع : قول الشافعي وأحمد ومالك رضي الله عنهم : إنه لا يكون موالياً حتى تزيد المدة على أربعة أشهر وفائدة الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي رضي الله عنهما أنه إذا آلى منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة ، وهذه المدة تكون حقاً للزوج ، فإذا مضت تطالب المرأة الزوج بالفيئة أو بالطلاق ، فإن امتنع الزوج منهما طلقها الحاكم عليه ، وعن أبي حنيفة : إذا مضت أربعة أشهر يقع الطلاق بنفسه ، حجة الشافعي من وجوه : الحجة الأولى : أن الفاء في قوله : * ( فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم ، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) * تقتضي كون هذين الحكمين مشروعين متراخياً عن انقضاء الأربعة أشهر . فإن قيل : ما ذكرتموه ممنوع لأن قوله : * ( فإن فاؤا ، وإن عزموا الطلاق ) * تفصيل لقوله : * ( الذين يؤلون من نسائهم ) * والتفصيل يعقب المفصل ، كما تقول : أنا أنزل عندكم هذا الشهر فإن أكرمتموني بقيت معكم وإلا ترحلت عنكم . قلنا : هذا ضعيف لأن قوله : * ( للذين يؤلون من نسائهم تربص ) * هذه المدة يدل على الأمرين والفاء في قوله : * ( فإن فاؤا ) * ورد عقيب ذكرهما ، فيكون هذا الحكم مشروعاً عقيب الإيلاء ، وعقيب حصول التربص في هذه المدة بخلاف المثال الذي ذكره وهو قوله : أنا أنزل عندكم فإن أكرمتموني بقيت وإلا ترحلت ، لأن هناك الفاء متأخرة عن ذلك النزول ، أما ههنا فالفاء مذكورة عقيب ذكر الإيلاء وذكر التربص ، فلا بد وأن يكون ما دخل الفاء عليه واقعاً عقيب هذين الأمرين ، وهذا كلام ظاهر . الحجة الثانية : للشافعي رضي الله عنه أن قوله : * ( وإن عزموا الطلاق ) * صريح في أن وقوع الطلاق إنما يكون بإيقاع الزوج ، وعلى قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقع الطلاق بمضي المدة لا بإيقاع الزوج . فإن قيل : الإيلاء الطلاق في نفسه . فالمراد من قوله : * ( وإن عزموا الطلاق ) * الإيلاء المتقدم . قلنا : هذا بعيد لأن قوله : * ( وإن عزموا الطلاق ) * لا بد وأن يكون معناه : وإن عزم الذين يؤلون الطلاق ، فجعل المؤلي عازماً ، وهذا يقتضي أن يكون الإيلاء والعزم قد اجتمعا ، وأما الطلاق فهو متعلق العزم ، ومتعلق العزم متأخر عن العزم ، فإذاً الطلاق متأخر عن العزم لا محالة ، والإيلاء