فخر الدين الرازي

86

تفسير الرازي

أما قوله : * ( من نسائهم ) * ففيه سؤال ، وهو أنه يقال : المتعارف أن يقال : حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة * ( على ) * ههنا بلفظة * ( من ) * ؟ . والجواب من وجهين : الأول : أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال : لي منك كذا والثاني : أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل : يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين . أما قوله تعالى : * ( تربص أربعة أشهر ) * فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال : تربصت الشيء تربصاً ، ويقال : ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله : بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير . أما قوله : * ( فإن فاءوا ) * فمعناه فإن رجعوا ، والفئ في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود : فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا : الفيء ما كان بالعشي ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى : * ( وظل ممدود ) * ( الواقعة : 30 ) وأنشدوا : فلا الظل من برد الضحى يستطيعه * ولا الفيء من برد العشي يذوق وقيل : فلان سريع الفيء والفيئة حكاهما الفراء عن العرب ، أي سريع الرجوع عن الغصب إلى الحالة المتقدمة وقيل : لما رده الله على المسلمين من مال المشركين فيء كأنه كان لهم فرجع إليهم فقوله : * ( فإن فاءوا ) * معناه فإن فرجعوا عما حلفوا عليه من ترك جماعها * ( فإن الله غفور رحيم ) * للزوج إذا تاب من إضراره بامرأته كما أنه غفور رحيم لكل التائبين . أما قوله تعالى : * ( وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم ) * فاعلم أن العزم عقد القلب على الشيء يقال عزم على الشيء يعوم عزماً وعزيمة ، وعزمت عليك لتفعلن ، أي أقسمت ، والطلاق مصدر طلقت المرأة أطلق طلاقاً ، وقال الليث : طلقت بضم اللام ، وقال ابن الأعرابي : طلقت بضم اللام من الطلاق أجود ، ومعنى الطلاق هو حل عقد النكاح بما يكون حلالاً في الشرع ، وأصله من الانطلاق ، وهو الذهاب ، فالطلاق عبارة عن انطلاق المرأة ، فهذا ما يتعلق بتفسير لفظ الآية . أما الأحكام فكثيرة ونذكر هاهنا بعض ما دلت الآية عليه في مسائل : المسألة الأولى : كل زوج يتصور منه الوقاع ، وكان تصرفه معتبراً في الشرع ، فإنه يصح